حبر الألم

الكتابة وليدة الألم، هذا ما نؤمن به هنا، نصل إلى حد البوح بما لا حد له. أحيانًا تحتضننا الوحدة والأحزان، وأحيانًا لا نستطيع التعبير عما تخفيه قلوبنا. نهرب إلى عالم آخر، عالم يستطيع ترميم قلوبنا وخدوش أرواحنا التي لم تلتئم بعد. نتجه للكتابة، لنحارب بها أولئك الذين أرادوا تحطيم قلوبنا. لم نشعر بأنفسنا إلا وهي تمسك القلم، وتبدأ بالبوح عما يجيش في صدورنا. كلماتنا تخرج مبعثرة، لكنها معبرة. هي من جمعت كسور قلوبنا، وقاومت كثيرًا لنكون ما نحن عليه الآن. ليحبر قلمنا حبر الألم الذي في قلوبنا. حبر الألم
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi2XekUPIJRTahjDaeKxx7i89GgzLtvvVHUN9Sa90tDcRwjrRD_BPdVTjH2ud2d7PA8yUY5I78Z4jsV-PRjBB-v65HcxHHs2ZR9mUtefAlp8_a5ixh0yCAK7O_yf6by5QRHE9EZYCa2DM1CCoKIcOhG4eWn_ewX61QqSgInsciCGDyQJ3kA1NEYztOYeuI/s320/346.jpg

الكتابة وليدة الألم، هذا ما نؤمن به هنا، نصل إلى حد البوح بما لا حد له. أحيانًا تحتضننا الوحدة والأحزان، وأحيانًا لا نستطيع التعبير عما تخفيه قلوبنا. نهرب إلى عالم آخر، عالم يستطيع ترميم قلوبنا وخدوش أرواحنا التي لم تلتئم بعد. نتجه للكتابة، لنحارب بها أولئك الذين أرادوا تحطيم قلوبنا. لم نشعر بأنفسنا إلا وهي تمسك القلم، وتبدأ بالبوح عما يجيش في صدورنا. كلماتنا تخرج مبعثرة، لكنها معبرة. هي من جمعت كسور قلوبنا، وقاومت كثيرًا لنكون ما نحن عليه الآن. ليحبر قلمنا حبر الألم الذي في قلوبنا.

حبر الألم مجموعة قصصية - سلسلة كتاب لوتس 27 346 148 ديسمبر 2019 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين جنسيات منوعة

الألم ليس مجرد شعور عابر يطرق أبواب الذاكرة ويرحل، بل هو الحبر الذي تسيل به أرواحنا حين تعجز الألسنة عن النطق، وهذا بالضبط ما يفتتح به كتاب "حبر الألم" رحلته بين ثنايا الوجع الإنساني. إنها مجموعة قصصية تشكلت من انكسارات قلوب صبية، راهن الكثيرون على فشلها، لكنها استمدت من السخرية والتهكم طاقة للانفجار فوق بياض الورق. هؤلاء الكتاب الذين نعتتهم الأفواه بالخلو من الموهبة، صنعوا من رماد أحزانهم منارة، وكأنهم يعيدون صياغة مقولة الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي حين أكد أن المعاناة هي الأصل الوحيد للوعي. في هذه الصفحات، نجد أنفسنا أمام مرآة تعكس تجارب تسعة من الأقلام الشابة، الذين قرروا أن الكتابة ليست ترفاً، بل هي فعل مقاومة ووسيلة لترميم خدوش الأرواح التي لم تلتئم بعد، حيث يتحول القلم إلى مبضع جراح يعيد لم الشتات.

تتجسد قسوة الفقد في حكاية "نورين" التي تذوق مرارة اليتم برحيل والدتها، العمود الفقري الذي كان يشد أزرها في مواجهة عواصف الحياة. الوجع هنا لا يتوقف عند لحظة الوداع في غرف المستشفى الباردة تحت أجهزة الأكسجين، بل يمتد ليصبح ظلاً يطارد البطلة في كل زاوية، فالعجز عن الفرح يصبح هو المأساة الحقيقية التي تفوق الحزن ذاته. تظهر لنا الشخصية وهي تحاول عبثاً أن تثبت للعالم تماسكها، لكن الوحدة تكسرها من الداخل، مما يدفعها للاستسلام لفكرة الهروب عبر المهدئات، ظناً منها أن النوم هو الملاذ الوحيد من واقع فقد بريقه. إنها صورة حية للإنسان حين يجد نفسه عارياً أمام وحش الفقد، يبحث عن يد تمتد إليه في ظل غياب "الظهر" والسند، وكأن الحياة بأسرها قد توقفت عند تلك اللحظة التي أغمضت فيها الأم عينيها للأبد.

في مسار آخر من الكتاب، نلتقي بـ "عشق" التي تعيش صراعاً بين الوفاء لذكرى حبيب غائب وبين نداء الحياة الجديد الذي يمثله "شهاب". يبرز المشهد السريالي في منامها كفعل تحرر وتطهير، حيث يظهر "آدم" الراحل ليمنحها مفتاح قلبها، مؤكداً لها أن الحب لا يموت بموت الأشخاص، بل ينتقل كأمانة لمن هو أولى بصيانتها. هذا المشهد يمثل لحظة التنوير التي تقرر فيها الشخصية فك قيود الماضي، فالسكين الذي استخدمه آدم لقطع الحبال حولها لم يكن لقتلها، بل لبعثها من جديد في رحاب فرصة ثانية تستحقها. تعكس القصة هنا فلسفة التجاوز، فالحب القديم حين يرحل، يترك خلفه فجوة لا يملؤها إلا الشجاعة على البدء من جديد، والبحث عن أولئك الذين يقدرون قيمة القلب المكسور ويحاولون لمس أجزائه برفق.

دار لوتس للنشر، عبر مشروعها للنشر الحر، تفتح آفاقاً لمن لا صوت لهم، مؤمنة بأن الإبداع حق مشاع لا يخضع لاحتكار أو تجارة جافة. الكتاب في جوهره ليس مجرد نصوص أدبية، بل هو صرخة جماعية في وجه كل من استهزأ بالطموح يوماً، وهو إثبات مادي على أن "حبر الألم" يمكنه أن يخط سطور الأمل إذا ما وجد الرعاية الكافية. تتنوع القصص لكنها تلتقي في نقطة واحدة: الوجع هو المعلم الأول، والصدق في البوح هو الجسر الوحيد الذي يربط الكاتب بالقارئ المثقف. إنها رحلة تبدأ من انكسار القلب وتنتهي عند محاولة النهوض، مؤكدة أن الكتابة هي الصديق الذي لا يخون، والملاذ الذي يحتضن الكلمات المبعثرة ليعيد ترتيبها في سياق إنساني مبدع يرفض النسيان.