ثم أشرقت الشمس

تستيقظ القرية على وقع خطواتٍ تسبق شمس الصباح. ليست هذه خطواتٌ عادية، بل هي نبضٌ محمّلٌ بأسرارٍ قديمة، وشوقٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان. رجلٌ عائدٌ ليجد أثره قد تغلغل في تراب الأرض، وذكرياتٌ تتشابك بين أزقةٍ ما زالت تحتفظ بصداها. هنا، في هذا الحيز الصغير من الوطن، تتناسل الغربة من زوايا الألفة، ويصبح البعد أقرب ما يكون. هذه حكايةٌ عن أولئك الضائعين على خريطة العالم، تاركين أرواحهم معلقةً بين حدود الأحلام والواقع، عن أسماءٍ نسيتها المحبرة ورفضت الأبجدية ذكرها، لكنها ظلت تسكن الروح. إنها قصةٌ لمن يقرأ بين السطور، لمن يشارك معاناةً لا تنتهي، ويجد نفسه شريكاً في جريان العمر، حيث جمال الطفولة يتبدد أمام ثقل هموم لا تنتهي، وتتحول المخاوف إلى قوةٍ تدفع نحو المجابهة. ثم أشرقت الشمس
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgO44gKhClI0Sk_xHrm8El5eQDlthu_TiKa_2iyBSEurxpA0YYyii2XE1RNPVuRE36QUxf9tanawIIvS634gAn48KgdOgp_7crlFLmFtyD76tkaY57NAEu2SR9EWeJRgFiDCTX2l1uFZhoJdKmx0hv5DnzRapzuvtw8jiJDDJLnzGh4XzO4DVtZnjwtT1Q/s320/237.jpg

تستيقظ القرية على وقع خطواتٍ تسبق شمس الصباح. ليست هذه خطواتٌ عادية، بل هي نبضٌ محمّلٌ بأسرارٍ قديمة، وشوقٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان. رجلٌ عائدٌ ليجد أثره قد تغلغل في تراب الأرض، وذكرياتٌ تتشابك بين أزقةٍ ما زالت تحتفظ بصداها. هنا، في هذا الحيز الصغير من الوطن، تتناسل الغربة من زوايا الألفة، ويصبح البعد أقرب ما يكون. هذه حكايةٌ عن أولئك الضائعين على خريطة العالم، تاركين أرواحهم معلقةً بين حدود الأحلام والواقع، عن أسماءٍ نسيتها المحبرة ورفضت الأبجدية ذكرها، لكنها ظلت تسكن الروح. إنها قصةٌ لمن يقرأ بين السطور، لمن يشارك معاناةً لا تنتهي، ويجد نفسه شريكاً في جريان العمر، حيث جمال الطفولة يتبدد أمام ثقل هموم لا تنتهي، وتتحول المخاوف إلى قوةٍ تدفع نحو المجابهة.

ثم أشرقت الشمس رواية 237 164 يوليو 2019 yes 201091985809 محمد الرفاعي كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjDa6YZwYmVL4toNxNMwDh4y9zf95bbL7BAXDXz2wmuLUAHQjylNZylCeqruN3bRL68qRA_CpWSqo-KwrStIEk5f261Op5u6NueTMTVIte8JT3MchoEHUQOkx9sVJzVCsw0BC28mSZIC2cprTXCTiuRYFNpxvRMX24JGFod6ZBqP3KFUsDaDuEV6Bm62MA/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A.jpg

يشرع محمد الرفاعي في روايته "ثم أشرقت الشمس" في بناء مرافعة أدبية عن الحق في وجه العدم، مستهلاً خديعة الضوء التي توهمنا بالانتصار بينما تخبئ العتمة مخالبها في الزوايا. تبدأ الحكاية من اتكاءة "عامر" على كرسي خشبي أمام دكان قديم، حيث يمتزج طعم البسكويت بمرارة الترقب، هناك حيث تنكشف الفجوة الجيلية بين طفولة كانت تخشى ضياع الألعاب وشباب ينوء بحمل أوطان تتمزق. يعيدنا الرفاعي إلى فلسفة كارلوس زافون في استحالة الحوار مع من لم يكتسب معتقداته بالعقل، ليضعنا أمام مواجهة حتمية بين المنطق والقطيع، وبين الحب الذي يولد في "الحيز الصغير من الوطن" والغربة التي تتربص بنا عند كل منعطف. إنها قصة الأرواح التي تاهت على الخريطة وظلت معلقة فوق حدود الوطن الأم، تنتظر شروقاً قد يأتي وقد يظل حبيس المحابر التي جفت أسماؤها.

تنساب الأحداث في القرية برتم هادئ يسبق العاصفة، حيث يختلط الوعد باللقاء بغصة الرحيل الوشيك، حين يودع عامر حبيبته عند بركة الماء، معلقاً آماله على موعد قادم "حين يكون الوقت مناسباً". يبرع الكاتب في تصوير تلك اللحظات الإنسانية الهشة، حيث تغدو الابتسامة درعاً في مواجهة الخوف من المستقبل، وحيث يمثل الصديق القادم "كرم" خيط الوصل الأخير مع عالم المدينة البعيد. لكن الانتظار عند بوابة القرية لا يثمر إلا الفراغ، فالحافلة التي لم تصل كانت نذيراً لشرارات أكبر، وكأن الرفاعي يستحضر هنا روح "فلاديمير وإستراغون" في انتظارهما العبثي، لكن العبث هنا مغمس بدم الواقع السوري ومآسيه التي لا تنتهي. تتصاعد وتيرة النص حين يتحول عامر من شاهد عيان إلى شريك في الوجع، معترفاً بدموع لم تفارق وجهه أمام "علياء" و"سارة" بأنه جزء مما حدث لـ "سام"، تلك الأنثى التي صارت رمزاً لكل ما يُفقد في غيابة الجبّ.

ينتقل السرد من الذاتي الضيق إلى الجماعي الصاخب، حين يتحول المسجد من دار للعبادة إلى منصة للاحتجاج، ويقود الشيخ زاهر حشوداً يغلي في صدورها غضب مكتوم ضد "الغرباء". يصور الكاتب الحشد ككائن حي واحد، يصدح باسم "سام" في الثامنة والنصف صباحاً، في مشهد يذكرنا بصرخات المقهورين في روايات الواقعية السحرية، حيث يصبح الاسم تعويذة للنجاة. لا يكتفي الرفاعي بسرد الوقائع، بل يغوص في سيكولوجية الجموع التي ترفض أن يتحول غضب القلوب إلى أفعال غير أخلاقية، محاولاً الحفاظ على طهرانية القضية وسط دنس الصراع. إن الصراع بين الحق والباطل في هذا العمل ليس مجرد ثنائية تقليدية، بل هو صراع الوجود ضد الفناء، وصراع النور الذي يشق طيات الظلام مهما كانت العتمة مطبقة، مؤكداً أن الطريق إلى الحق لا يمكن أن يُسد في وجه من آمن به يقيناً.

تنتهي صفحات الرواية ولا ينتهي السؤال عن تلك الأسماء التي رفضت الأبجدية ذكرها وبقيت في المحبرة، وكأن المؤلف يعتذر للذين سقطوا من ذاكرة التاريخ وبقوا في ذاكرته الشخصية. هي رواية عن العمر الذي يمضي دون أن ندرك كيف انفرطت سنواته، وعن الهموم التي تنمو معنا كأشجار السنديان، تبدأ من الذات وتكبر لتشمل العائلة ثم تنفجر لتصبح همّ وطن بأكمله. يعلمنا الرفاعي أن الحوار العقلاني قد يفشل، وأن المعارك قد تُخسر آنياً بفعل القوة الغاشمة، لكن الرهان الحقيقي يظل على تلك "الإشراقة" التي لا بد أن تلي كل ليل طويل. النص في جوهره صرخة في وجه الضياع، وإهداء لكل من سيقرأ بين السطور ليصبح شريكاً في معاناة لن تنتهي، لكنها معاناة تمنح الوجود معناه، وتجعل من الكتابة فعلاً من أفعال المقاومة والخلود في زمن المحو والنسيان.