موعدنا ذات صباح

تتلوى الروح كغصنٍ أعزل تحت وطأة رياحٍ لا تهدأ، تحمل ذكرياتٍ قاسية كسعف نخيلٍ مهشم. مشاعرٌ مبعثرة، تقاوم شعور الخذلان الذي يتسلل إليها من كل فج. كأنها تبحث عن مبررٍ لوجودها، عن عذرٍ يخفف وطأة الألم، فتصطدم بحائطٍ مسدود لا مفر منه. تئن في صمتٍ لا يسمعه أحد، وتختزل كل بوحٍ في كلمةٍ واحدة: "طيب". وكأنها تخبئ كل طيبٍ فيها، وتحافظ على خضرة نباتٍ يشق ثنايا الروح. رويداً رويداً، ما زلنا نمد يد الوصال، نرجو بقاءً بجانبنا، نبحث عن مرفأٍ في بحرٍ متلاطم. موعدنا ذات صباح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiYm1yQH_xdYoOtIeZZMjgAdQHgTVthKCODBfnc6QIQqzf6908Brg1TxptzVixFgrXFv8o0FtAcnueoRQUGywOdZJ56i4QzauhZbZGVs_ozkPZBGs1fwIPrqjBbSPZeN2AMyD1OAhrN3__OEQTgX9aMDNM-uQBsjHgbsnP77GsgiRr4hGuJFh0s4RHGUDk/s320/349.jpg

تتلوى الروح كغصنٍ أعزل تحت وطأة رياحٍ لا تهدأ، تحمل ذكرياتٍ قاسية كسعف نخيلٍ مهشم. مشاعرٌ مبعثرة، تقاوم شعور الخذلان الذي يتسلل إليها من كل فج. كأنها تبحث عن مبررٍ لوجودها، عن عذرٍ يخفف وطأة الألم، فتصطدم بحائطٍ مسدود لا مفر منه. تئن في صمتٍ لا يسمعه أحد، وتختزل كل بوحٍ في كلمةٍ واحدة: "طيب". وكأنها تخبئ كل طيبٍ فيها، وتحافظ على خضرة نباتٍ يشق ثنايا الروح. رويداً رويداً، ما زلنا نمد يد الوصال، نرجو بقاءً بجانبنا، نبحث عن مرفأٍ في بحرٍ متلاطم.

موعدنا ذات صباح خواطر 349 92 ديسمبر 2019 yes 201091985809 رانيا الحسيني كاتبة مصرية

تنبثق نصوص "موعدنا ذات صباح" لرانيا الحسيني من تلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين صخب العالم وضجيج الروح الداخلي، حيث يتحول الحرف إلى ملاذ أخير لترميم تصدعات الذات. تفتتح الكاتبة صفحاتها بمواجهة صريحة مع مشاعر الخذلان، واصفة القلوب الحائرة بأنها جدران بالية تقاوم الانهيار أمام حواجز الصد التي يضعها الآخرون. تتبدى في الكتاب فلسفة خاصة تجاه الصمت، إذ تراه لغة مكتملة الأركان تتجاوز حدود النطق، فالكلمات التي تُختصر في تعبير "طيب" ليست مجرد قبول، بل هي محاولة يائسة للحفاظ على خضرة النبت الداخلي وسط جدب العلاقات. يتجلى الهروب في هذه الخواطر لا كفعل جبان، بل كحاجة ملحة للاحتماء بالغياب حين يصبح الحضور عبئاً ثقيلاً لا يُطاق، وكأن الكاتبة تستحضر مقولة جلال الدين الرومي بأن الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه، أما ذاك الذي يحب بروحه فلا ثمة فصل أبداً.

تنتقل الرؤية الأدبية في الكتاب إلى تشريح المسافات، حيث يُخلق الفراق في كثير من الأحيان حباً من نوع مغاير، حب يعتاش على الصدى والذاكرة بدلاً من اللقاء اليومي الرتيب. تصف الحسيني تلك المساحات الفارغة التي تسكننا بأنها أودية تعج بضجيج لا يسمعه إلا أصحابها، محذرة من أن الزحام الشعوري الذي نحمله على كواهلنا بمفردنا قد يحول أرواحنا إلى أرض بور وجدب يمتد لسنوات. تضع الكاتبة "ماء الوجه" كحد فاصل للمسافة التي ينسحب إليها المرء بعد نوبات بكاء طويلة، وهي مسافة ضرورية لترميم الكبرياء الجريح. يبرز في ثنايا النص توق جارف للأمان المفقود، حيث يغدو الغائب شريكاً في الحلم، وحيث تُرسم الملامح على أرض لا واقع لها، في انتظار لحظة إشراق تمحو عتمة الليل الذي استوطن القلوب طويلاً.

يستحضر النص صورة "الصديقين" بوصفهم الضمادات البشرية التي تهرع إليها الروح حين تتهدم من الداخل، فهم الرزق الذي يربط على القلوب ويمنع عنها الأذى، محولين الانكسار إلى سلام. وتتجلى الروحانيات في الكتاب كقنديل يضيء عتمة الحيرة، فذكر المحبوب النبوي يصبح تيمماً يغني عن كل جليس، ونوراً يشع في السماوات والأرض ليمنح الصدر تنهيدة الطمأنينة. هذا الامتداد بين الأرضي والسماوي يعزز فكرة أن الإنسان كائن باحث عن المعنى وسط الشتات، يشبه الطيور في هائميتها وفي عشوائية استقرارها على الموانئ، فمنا من ينجو ومنا من يظل عالقاً بين الأرض والسماء، ومنا من تضيع نفسه في زحام المادية الجافة.

تتوقف رانيا الحسيني طويلاً عند لغة العيون التي تفهم ما عجزت الحروف عن صياغته، معتبرة أن الفهم العميق لصمت الآخر هو قمة التواصل الإنساني والولادة الجديدة للروح. للحنين في كتابها صوت يدوّي في الفراغ، صوت لا يسمعه إلا من دمع قلبه قبل عينه، حيث يعتزل المرء الكون ليسكن في عالم من الهمسات والذكريات التي لا يعيها إلا من ابتلي بالبعد. وتختتم تأملاتها بصورة المرأة الصامدة التي ترفض الكسر، تلك التي تكتفي بإشارات يدها لتداري شهقة الألم التي تكاد تفتك بنبضها، مفضلة الموت اليومي خلف أبواب مغلقة على أن تئن أمام من لا يشعر بوجعها. إنها دعوة للرحمة الإنسانية، ولأن نكون سنداً لبعضنا البعض بدلاً من أن نتحول إلى جمادات تحكمها الآلة، مؤكدة أن السعي الحقيقي في الحياة هو أن نكمل نقص بعضنا ونبقي على جذوة الأمل مشتعلة في كل صباح.