على حافة اندلاع الاعتقاد

أليست الحقيقة أنك تقف على حافة شيء لا تستطيع تسميته؟ شيء بين اليقين والانهيار، بين الصلاة والكفر، بين عناق امرأة ووداع وطن. هذا الديوان لا يمنحك إجابات، بل يغرس في صدرك سؤالاً ينمو كالنار في الهشيم. قصائد تكتب نفسها بنفسها، تتقافز بين جبال إفريقيا وغابات بعيدة، بين نبي من خريف ورب ضعيف. هنا الشاعرة تغامر بجلد مقدساتها أمام عينيك، تفكك روحها حرفاً حرفاً، ثم تعيد تركيبها على مهل. لا تبحث عن موسيقى تقليدية ولا قوافٍ مبتذلة. ابحث عن نص يجرحك بلطف، عن رغبة في الاعتقاد تكاد تنفجر، عن نص أجوف يمتص فراغك ويملؤه بك. ستخرج من هذه الصفحات وأنت تحمل سؤالاً واحداً: هل أنت مؤمن أم ميت؟ أم كائن عالق مثلي، على حافة اندلاع الاعتقاد؟ على حافة اندلاع الاعتقاد
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjAIB57EnKKETF4iBxRZLcmDQbCqVT_vsIHrkYp60ICWy7gQl5dtCdunz9UV-H08ifhyt3eTxWST9vzRKBD_BNFy9iBBr1EWwib_ccDbuz16d-C1TK3Qf989KN2xcJVWeQdRvQzz0I_-lK_PPUz16lXO5PaRuCLA7GgQKhmyrGLtwIw2Aw74qWzP8lufRI/s320/478.jpg

أليست الحقيقة أنك تقف على حافة شيء لا تستطيع تسميته؟ شيء بين اليقين والانهيار، بين الصلاة والكفر، بين عناق امرأة ووداع وطن. هذا الديوان لا يمنحك إجابات، بل يغرس في صدرك سؤالاً ينمو كالنار في الهشيم. قصائد تكتب نفسها بنفسها، تتقافز بين جبال إفريقيا وغابات بعيدة، بين نبي من خريف ورب ضعيف. هنا الشاعرة تغامر بجلد مقدساتها أمام عينيك، تفكك روحها حرفاً حرفاً، ثم تعيد تركيبها على مهل. لا تبحث عن موسيقى تقليدية ولا قوافٍ مبتذلة. ابحث عن نص يجرحك بلطف، عن رغبة في الاعتقاد تكاد تنفجر، عن نص أجوف يمتص فراغك ويملؤه بك. ستخرج من هذه الصفحات وأنت تحمل سؤالاً واحداً: هل أنت مؤمن أم ميت؟ أم كائن عالق مثلي، على حافة اندلاع الاعتقاد؟

على حافة اندلاع الاعتقاد شعر 478 76 سبتمبر 2020 yes 201091985809 آلاء جمال كاتبة سودانية

ديوان "على حافة اندلاع الاعتقاد" لآلاء جمال ليس مجموعة قصائد بالمعنى التقليدي، بل أشبه بمذكرات روحية ممزقة تكتب نفسها في لحظات السقوط والنهوض.

من هنا يبدأ العمل بنص بعنوان "نص أجوف" يعلن فيه الشاعر هروب القلم وغياب اللغة المناسبة، فتتولد الكتابة من رحم الفراغ لا من ملئه.

على هذا الأساس يُعاد تعريف الشعر: لم يعد إنشاءً بل تجميعاً لمتناثر الروح، وسقيً لجوف يبس من كلام حب لم يقل ولن يقال.

بيد أن هذا الجوف سرعان ما يتحول إلى بوتقة تنصهر فيها الأضداد: التقديس والتجديف، الوضوح والغموض، الخضوع والتمرد، بل الحياة نفسها تغالي في تناقضاتها.

ومن ثم تتشكل ثلاثة سماوات متدرجة: أولى ترتشف الجفاف، وثانية تنقل كل شيء ما عدا الذات، وثالثة لا تحتوي إلا تقديساً كثيفاً لذلك النص الأجوف نفسه.

إذن، الاعتقاد هنا ليس إيماناً ثابتاً بل حالة اشتعال دائم على الحافة، حيث الغربة تمتد من الجسد إلى الروح، ومن الوطن المسروق إلى الذات المغتربة عن ذاتها.

في المقابل، تظهر قصيدة "مهبط الوحي" مقلوبة الأركان: الوحي لا يأتي بالالتماس بل تجره حمامات التأمل وصراعات الخيال، والتابوت يومئ قبل أن يهدئ القلب.

فضلاً عن ذلك، يعلن الشاعر عزمه على الكتابة وحده، متوشحاً الأحلام والفنادق والمدن الفاضلة والسجون المخملية، أي يمزج بين الصورة المثالية وسخرية الواقع منها.

حتى الكتابة نفسها تصبح فعلاً وجودياً لا جمالياً: سأكتب فحسب، فالكتابة فعل حلم ووجود، سأكتب بالشمع قصاصات تضيء الوطن وتقتل الحروب.

غير أن هذا الوطن يبقى محكوماً بالغربة الفظة: أم تنادي ربها، وأخت تقاوم شوقها، وشعب مُتيم بالسباب، ووطن بطعم الموت ورائحة التراب.

ثم تنقلب الأجواء في "على حافة اندلاع الموت" حيث يصبح الأزرق جاثياً قرب السماء يبتلع الشمس، والحياة تغالي في كل شيء حتى التناقض.

هنا يتوقف القلب، وتُمارس سنة الروحانيين والخوف نفسه، وتُتلى وعود على كف الشعوب، ثم يُنادى للبوح الناضج في الليل الساكن.

لكن الموت لا يأتي كخاتمة بل كطوق عنيد يمازح الحزن ويجتازه نحو الصفاء، ومع ذلك تبقى الكأس الأخيرة مميتة ومطلوبة معاً.

هكذا تتسارع الاستعارات: التحجر والرهبنة، معابد النسيان، معمودية النسيان، حتى يصبح العاشق رباً ضعيفاً يطفو في عدميته.

على هذا النحو المتشظي تقدم الشاعرة ميلودراما وداع في عز صيف باهت، حيث السمراء تمتص العرق وتحوله عسلاً، ثم تنتظر الغروب لتذوب وتنزوي.

والمتحدث المسجون في جسده لا يريد انتصاراً ولا حلماً، بل يريد الذهاب إلى حقيقة كبرى: هل الحب الذي صبّنه خمراً وعتقّه يستحق أن نتوب منه؟

تبقى الإجابة معلقة، فلا أحد يعرف من الذي صبّ الشهوة وأدار قانوناً مريعاً يجتبي بلا انتهاء، ولا كيف سحب الرب روحاً دون إذن وأكمل بها أخرى.

في "في حضرتك" يتحول الحبيب إلى مرآة وجودية: اشتم فيك نفسي، وأرى فيك اكتمالي، وأمارس فيك وجودي.

لكن هذه الحضرة لا تقدم سؤالاً بلا جواب: أنت هناك، لا أدري هل ضاقت بك الأرض أم استهواك الفراغ والمدى؟

طيفك عازف عن الغياب، والنيل يثور على أزليته المثلى، والبسني الحاضر لهفة غجرية مرتبكة، ثم تعلن العبارات جنونها وتصطف كطابور نجمي تحفه سماء بلورية.

في المقابل، يطل عنوان "كينونة التاريخ الأولى" بتشكيل أسطوري: الأرض حنطية اللون محنطة بالبارود، والوحشة قصمت ظهر التاريخ، والرب كساه عشاقاً وعشقاً.

بيد أن التاريخ يعترف: لا أملك غير اسمي الآن، ولا أملك غير موتي وانحداري، رسمت حدود خذلاني بين الجبال والمحيطات والحروب الدامية.

ثم يسأل السؤال الأكثر إيلاماً: أين أنا مني؟ أين أكمن داخلي؟ في أي بقعة ضوئية اختبأت؟

أما القسم الأطول "على حافة اندلاع الاعتقاد" فيأتي بأجزاء متعددة ليكشف عن كأس مضرج بالصحو، وعن جندي مرقع الأحلام يستعد ليطلق الرصاص والميعاد.

هنا الطين معطن بالدماء ومسمد بابتهالات النساء، وشريان نبي ينسل من أرحام المهاجرات المعدمات، وشريان رسول حمل الربيع من مؤخرة الذباب إلى الكتب المدرسية.