على ضفاف الذاكرة

الخوف من الموت ليس في الرحيل، بل في أن يكون الرحيل غربة، في أرضٍ قد تلفظك يومًا ما لأنك لم تكن منها. هذا الشعور، أشبه بمركبٍ يعبث بمساراته في بحرٍ لا يعرف ساحله، يتقاذفه الموج بين الحيرة والضياع. تتجلى هذه الهشاشة في لحظاتٍ تبدو عادية، كلقاءٍ عابر في صفٍ دراسي، حيث تثير "المغرورة" التي دخلت حياة الراوية فجأة، فضولًا ممتزجًا بالنفور. تصرفاتها الهستيرية أمام المعلمة، وضربها المقعد بقوة، تعكس اضطرابًا داخليًا عميقًا، يتردد صداه في نفس الراوية التي تحاول فهم هذا الكائن الغريب الذي يحاول التسرب إلى حياتها. هذا التفاعل الأولي، أشبه ببذرة تُزرع، لتنمو منها لاحقًا تعقيدات العلاقات الإنسانية، وصراعاتها الداخلية. على ضفاف الذاكرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjz6d5-woBQKh1HrJTS4ZAk3ijJmHuDKBAnxSd-K2luILaMEVDoblLRdovcM3_y6o3xp41EpzxU4igFOsXQog6sVSH_P78DNjG7BXT1hmpi_3InDOPG25TUyZUOrgvJuZVbTKPwQRVtdNe2gYaO6eSxnG9uUWJJhQz-m_lVUjZj_ckD4qBQGzoTuxLjzwM/s320/249.jpg

الخوف من الموت ليس في الرحيل، بل في أن يكون الرحيل غربة، في أرضٍ قد تلفظك يومًا ما لأنك لم تكن منها. هذا الشعور، أشبه بمركبٍ يعبث بمساراته في بحرٍ لا يعرف ساحله، يتقاذفه الموج بين الحيرة والضياع. تتجلى هذه الهشاشة في لحظاتٍ تبدو عادية، كلقاءٍ عابر في صفٍ دراسي، حيث تثير "المغرورة" التي دخلت حياة الراوية فجأة، فضولًا ممتزجًا بالنفور. تصرفاتها الهستيرية أمام المعلمة، وضربها المقعد بقوة، تعكس اضطرابًا داخليًا عميقًا، يتردد صداه في نفس الراوية التي تحاول فهم هذا الكائن الغريب الذي يحاول التسرب إلى حياتها. هذا التفاعل الأولي، أشبه ببذرة تُزرع، لتنمو منها لاحقًا تعقيدات العلاقات الإنسانية، وصراعاتها الداخلية.

على ضفاف الذاكرة رواية 249 122 يوليو 2019 yes 201091985809 ابتسام مقداد كاتبة أردنية

تستيقظ الذاكرة على وقع حكايات تتشابك فيها خيوط الحياة اليومية بتعقيدات النفس البشرية. بداية النص تغوص في تفاصيل العلاقة مع شخصية "نادلين"، زميلة مقعد دراسي جديدة تتسم بالعناد والاعتزاز بالنفس. هذا الانطباع الأولي، الذي ينم عن فضول صاحبة الحكاية، يواجه سيلًا من التصرفات الهستيرية المبالغ فيها من "نادلين" أمام معلمة الصف، مما يثير تساؤلات حول دوافع هذه الثورة الداخلية. تتكشف لاحقًا طبيعة "نادلين" المعقدة، فهي ليست مجرد فتاة عنيدة، بل تحمل عبئًا من القرارات التي فرضت عليها، قرارات لا تستطيع التراجع عنها بسهولة.

تخوض صاحبة القصة في دوامة من التردد حول قرار يتعلق بعرض زواج، حيث يطرح عماد فرصة مهمة، لكنها تشعر بأنها لا تملك حق الاختيار الحقيقي. تتشاور مع "نادلين" التي تقدم لها نصيحة فلسفية مبسطة: إذا لم تكن مقتنعًا بشيء، فادفع به بعيدًا. لكن صاحبة القصة ترى أن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فالحياة تفرض ضغوطها، والحياة الشخصية لا يمكن تجاهلها. "نادلين" التي يبدو أنها تفهم ما يدور خلف الكواليس، تستفسر عما إذا كان هناك شخص آخر يقف حائلًا أمام قرارها. تنفي صاحبة القصة ذلك، لكن ترددها واضح. "نادلين" بدورها تشجعها على فعل ما تجده مناسبًا، داعية الله أن يوفقها.

يظهر تعقيد العلاقات الإنسانية عندما تستيقظ صاحبة القصة لتجد نفسها في موقف محرج إلى جانب شخص ما، من الواضح أنه يقضي الليل في غرفتها. يتطور الحوار ليصبح مواجهة حول تجاوز الحدود، حيث يتهمها الطرف الآخر بأنها لا تفكر في مشاعر الآخرين. تكشف صاحبة القصة عن مشاعرها الدفينة، فهي تشعر بأنها مجرد أداة لتلبية رغبات الآخرين، وأنها تحمل عبئًا ثقيلًا لا تريد أن تتحمله. تتحدث عن "نادين" التي أرادت لها أن تتزوج رجلًا آخر لتربية أطفاله، وأنها أصبحت بالنسبة لصاحبة الحكاية مجرد مربية لأبنائه، وليست أكثر من ذلك.

تتوالى المشاهد المليئة بالصراعات الداخلية والخارجية، حيث تتشابك قضايا الاختيار الشخصي مع الضغوط الاجتماعية والعائلية. تعبر صاحبة القصة عن شعورها بفقدان السيطرة على حياتها، وأن قراراتها غالبًا ما تكون مفروضة عليها. تتجلى هذه الظاهرة في تفاعلاتها مع شخصية "عماد"، حيث تواجه صعوبة في اتخاذ قرار يتعلق بعرض زواج، وتستشير "نادلين" التي تحاول مساعدتها في إيجاد سبب مقنع للرفض. هنا، تبرز العلاقة بين "نادلين" وصاحبة القصة كعلاقة دعم نفسي، حيث تشجعها "نادلين" على الاستقلال بقرارها.

يتحول السرد إلى استكشاف عميق لمفهوم الاختيار والحرية الشخصية. تتساءل صاحبة القصة عن قدرتها على اتخاذ قرار حاسم، خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقاتها مع الآخرين. تتكشف طبقات من الألم والتضحية، حيث تعبر عن شعورها بأنها تُحاسب على قرارات ليست لها. تتجلى هذه المعضلة في علاقتها بـ "عماد"، الذي يعلق آمالًا كبيرة على موافقتها. تدرك هنا أن الحياة ليست دائمًا مسارًا مستقيمًا، وأن القرارات غالبًا ما تكون معقدة ومليئة بالاحتمالات.

تتجسد طبيعة "نادلين" المعقدة في استجاباتها، فهي لا تقدم حلولًا جاهزة، بل تفتح آفاقًا للتفكير. عندما تسأل صاحبة القصة عن سبب رفضها لـ "عماد"، تجيب "نادلين" بتساؤل آخر: هل هناك شخص آخر يقف بينك وبين "عماد"؟ هذا التساؤل يكشف عن فهم "نادلين" العميق لديناميكيات العلاقات الإنسانية، وأن الرفض غالبًا ما يكون له أسباب خفية.

في مشهد لاحق، تعبر صاحبة القصة عن شعورها بأنها مجرد دمية في يد الآخرين، وأنها لا تملك القدرة على فرض إرادتها. تتحدث عن "نادين" التي أرادت لها أن تتزوج رجلًا آخر، وأنها أصبحت بالنسبة لها مجرد عبء يجب التخلص منه. هذا الاعتراف يكشف عن جانب مؤلم من حياتها، حيث تشعر بأنها تُستخدم لتحقيق أهداف الآخرين.

تتزايد وتيرة الصراع الداخلي مع اقتراب نهاية العلاقة، حيث تشعر صاحبة القصة بأنها محاصرة بين رغبات الآخرين وضرورات حياتها. تتجلى هذه المعضلة في علاقتها مع الشخص الذي قضى الليل في غرفتها، حيث تتهمها بأنها لا تفكر في مشاعر الآخرين. هنا، تكشف صاحبة القصة عن ألمها وحزنها، وتتساءل إن كان هناك من يهتم بها حقًا.

يصل الصراع ذروته في إدراكها بأنها ليست مجرد أداة، بل إنسان له مشاعره ورغباته. تعترف بأنها لم تعِ حجم المشاعر التي كانت تعتمل في صدرها، وأنها ظنت أنها تحمي نفسها بالابتعاد. تتكشف مفارقة مؤلمة: بينما كانت تنظر إلى السقف، كان وجه الشخص الآخر يرقص في مخيلتها. هذا المشهد يلخص الصراع بين الظاهر والباطن، وبين ما تظنه صاحبة القصة وما تشعر به حقًا.