على مواقد القلب

ما الذي يبقى منا حين تتساقط السنون وتثقل الحقائب؟ ما الذي يستحق أن يُطهى على مواقد القلب قبل أن يُقدّم على موائد الحياة؟ في هذا الكتاب، لا تجد قصائد حب تقليدية ولا نصوصاً رتيبة عن الحنين. هنا، امرأة تكتب نفسها وهي تتفتت وتتجمّع، تنمق الحزن بعناية كمن يزيّن غرفة الانتظار، وتصنع الشوكولاتة على نفقة الحب لمن يستحق ولمن لا يستحق. تخاطب قلبها، تخاطب أمها الغائبة، تخاطب ذلك الشخص الذي لا يظهر إلا في ظلّه وفي خيالها، وفي كل مرة تظن أنها كتبت كل شيء، تكتشف أن القلب ما زال يحمل فصولاً أخرى. "على مواقد القلب" ليس كتاباً يُقرأ بقدر ما هو صوت يُصغي إليه، حيث يتلبس الحزن خفة والفرح كآبة، وحيث تلتقي تفاصيل المطبخ بتفاصيل الروح، لتؤكد أن نضج البشر كالطعام تماماً: لا يكتمل إلا بنار هادئة وصبر طويل. على مواقد القلب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhaJoDoxlxs-i1urpoGLS15m9lr-rR_FqRfRgr2KCz-WqE7pT-lUF0E_f_SPnrJMjw8wTar-nqQe8O6FqF8yczZuF0EylBDz7OrSOklFlDWKcaz0F0BPBiJ5-_O31ScdgTyGvNbOsbfSB-n4VPPvE_JbaQC57XJBXHpeItAVcdmHRDIOq5wJ2tcWDMDjQ4/s320/730.jpg

ما الذي يبقى منا حين تتساقط السنون وتثقل الحقائب؟ ما الذي يستحق أن يُطهى على مواقد القلب قبل أن يُقدّم على موائد الحياة؟ في هذا الكتاب، لا تجد قصائد حب تقليدية ولا نصوصاً رتيبة عن الحنين. هنا، امرأة تكتب نفسها وهي تتفتت وتتجمّع، تنمق الحزن بعناية كمن يزيّن غرفة الانتظار، وتصنع الشوكولاتة على نفقة الحب لمن يستحق ولمن لا يستحق. تخاطب قلبها، تخاطب أمها الغائبة، تخاطب ذلك الشخص الذي لا يظهر إلا في ظلّه وفي خيالها، وفي كل مرة تظن أنها كتبت كل شيء، تكتشف أن القلب ما زال يحمل فصولاً أخرى. "على مواقد القلب" ليس كتاباً يُقرأ بقدر ما هو صوت يُصغي إليه، حيث يتلبس الحزن خفة والفرح كآبة، وحيث تلتقي تفاصيل المطبخ بتفاصيل الروح، لتؤكد أن نضج البشر كالطعام تماماً: لا يكتمل إلا بنار هادئة وصبر طويل.

على مواقد القلب خواطر 730 96 أبريل 2023 yes 201091985809 نورا صبحي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj1mN8jCplpnVD68Rh6PbUgbxlAng6tpksF2yi0DWBOhpf3jEpP8YdY4VirCHbm9BnlsGN4dUeWlbStuHG_OKsVDHwMIy-OqCJlOlyl_vbpP7VZ9FUhho9TTP0PD9cdhPWWFVaaqMJgyD0PaB83zvntDA6AgzIpwukdfIFUrojpcOOoYjqRJ1Tb12Wx0nI/s800/%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%A7%20%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D9%8A.png

"على مواقد القلب" للنّورا صبحي، مجموعة خواطر نثرية تنساب بحساسية عالية بين نغمة الألم ونبض الأمل، وتدور في فلك واحد هو استكشاف الذات الأنثوية في مواجهة الفقد والحنين والاغتراب. إذ تبدأ الرحلة بصورة المرأة القوية التي تخفي انكسارها بابتسامة، والتي ترقص مع الذكريات كأنها شريكة عمرها لا مجرد صور عابرة. فالذكريات هنا ليست استحضاراً للماضي، بل كائنات حية تراقص القلب وتلف خصره بالحنين، وتأتيه بفستان أزرق يشبه لون البحر. غير أن هذه القوة ليست صلابة جامدة، بل مرونة تعيد تشكيل هوية الكاتبة كي تناسب كل مرحلة عمرية، وهكذا تقفز الذاكرة بين الطفولة والنضج دون أن تفقد شيئاً من رهافتها الأولى.

من هنا، يمضي الكتاب في رصد تناقضات الحياة اليومية، مركزاً على فجوة بين الماضي الجميل والحاضر الزائف، حيث كانت الجدات تطهو الحب وتوزعه جواراً، وأصبح الناس اليوم يتباهون بموائدهم الفارغة من الدفء. وتردف الكاتبة بأسئلة تلامس جوهر العلاقات البشرية، متسائلة عن جدوى الطعام الذي يُطهى دون مشاعر، وعن الموائد التي تزين ولا تُشبع. ولكنها لا تكتفي بالسؤال، بل تقدم إجابة خفيفة: إن الطعام الذي يطهى بحب هو ما يبقى، وإن أدفأ الموائد هي تلك التي لا تحتاج إلى تصوير، لأنها تُحفظ في قلوب من يتذوقونها. وهكذا، يصبح المطبخ رمزاً للعطاء، والحب يصير المكون السري الذي يفسد كل وصفة صناعية.

غير أن الكتاب لا يكتفي بتأملات داخلية، بل ينفتح على مشاهد الحياة اليومية، كتلك التي تقف فيها الكاتبة على رصيف محطة قطار، وتشاهد وجوهاً منهكة تحمل أحمالاً أثقل من حقائبها، فلا تصادف ابتسامة تهديها أملاً. فالمشهد العامّ للوجود البشري يبدو مثقلاً بالإعياء، والذات الكاتبة تصبح مرآة تعكس هموم الآخرين، وتتمنى لو تستطيع أن توزع عليهم باقات أمل. وفي هذا السياق، تظهر نزعة إنسانية عابرة للأنا، لكنها سرعان ما تعود إلى الداخل، حيث يكتشف القلب أن سعادته تكمن في تفاصيل صغيرة: وردة، فنجان قهوة، دفتر، ليل يتسامر معه كأخٍ متيم.

يتخذ الكتاب منحى روحانياً حين تتحدث الكاتبة عن "رسائل من الله" تأتي بلا موعد، تخلق في الرأس أزواجاً من عيون العقل، وتنزع الإنسان من أماكن لا تليق به. فهذه الرسائل ليست مجرد إلهام عابر، بل لحظات يقظة تعيد ترتيب الأولويات وتنقّي المشاعر. وتتجلّى هذه الروحانية في دعوات صامتة، وفي شعور بالأمان يتغلغل في النفس كنسيم رقيق، وفي علاقة عميقة بالبحر الذي يصبح صديقاً يهدهد الغضب ويسحب الفوضى من القلب. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم واسع للتوحيد ليس فلسفياً نظرياً، بل معاشاً في نسيج اليومي: في صمت البحر، في أجنحة الطيور، في الدعاء عند مفرق الطريق، وفي الأمل الذي يوقظ الصباح.

غير أن الذات الكاتبة ليست عابدة منعزلة، بل هي أم، وزوجة، وابنة غائبة، وامرأة تحمل في داخلها طفلة مشاغبة. ويتجلّى هذا التعدد في رسائلها التي تكتبها لأبنائها، لتمسح بها المسافات وتطمئن قلوبهم. فهي تظل تبحث عن عناوينهم في صالة الوصول، وتعدهم بالحلوى، وتتحدث عن أيام ثقال كانت فيها تغلف الليل بحلم، وتجمع الحقائب وهي لا تدري أن صالات الوصول ستغلق أبوابها. من هنا، يتّخذ الحنين بعداً مكانياً وزمانياً في آن واحد، حيث يتحول البيت إلى أسطورة، وتتحول العودة إلى لعبة حجر النرد مع القدر.

على الرغم من طابعها التأملي، لا تخلو النصوص من طابع درامي يمس الواقع الاجتماعي، بخاصة في حديثها عن جراح الخيانة، عن وجع الخيبات، عن الأشخاص الذين لا يتبقى منهم في النهاية سوى نقش خالٍ من النبض. وتكتب الكاتبة بحرقة عن أولئك الذين مضوا، وتكتشف أنهم لم يكونوا سوى سراب، وأنها أسرفت في الوثوق بهم. بيد أن هذه المراجعة المؤلمة لا تنتهي باليأس، بل بقرار رشيد ومؤلم في آن: التخلي عن ثقل الحقائب، واختيار الفراشات التي لا تشيخ. وهكذا، تبدو الكتابة نفسها وكأنها فعل تحرر من عبء الحياة، إذ تكتب الكاتبة لتفهم نفسها، لتشفى، لتعلن أن قلبها ما زال ينبض، وأن النصوص ليست سوى قطع من القلب تنقل جينات الروح إلى الورق بلا زيف.