الجني العجوز

لم يكن سعيد قط يؤمن بقوة الأقدار البعيدة، بل ارتكز على نظرية "المدرسة القريبة"؛ فالأحداث القريبة فحسب، حسب اعتقاده، هي من تنسج خيوط حياته. وجد في غزو صدام حسين للكويت، عام 1990، صدفة عابرة، لا سبباً لتغيير مصير أبيه، الذي ضاعت فرصته في جريدة "الأخبار" رغم وعدٍ من موسى صبري. هذه الفرص الضائعة، وتلك الأسباب التي رأى فيها تصرفات شخصية، جعلت سعيد شديد الحرص في خطواته الأولى، باحثًا عن فرص نجاحه. لم يدرك صحة ما كان يراه أبوه، حتى داهمته أحداثٌ من عالمٍ آخر، عالم الجن، لم يكن يعلم عنه شيئاً، وخاف منه كأي إنسان. كانت تلك الأحداث، التي وقعت في عالم الجن، لتنسج مسار حياته دون سابق إنذار. بدأ القصة من منظوره، وما تصوره، وما علمته الأيام بعد ذلك. بدت له الأقدار البعيدة، تلك التي طالما استخف بها، وكأنها غيمة رمادية تتجمع فوق الأفق، لا تدري متى ستمطر، ولكنها حين تمطر، فإنها تغرق الروح في دوامة لا قرار لها. الجني العجوز
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg4CG7qUujm9LqLen9fckX0fSQ2kFx0ExaC1w_jZME83L8h6bDBeC8RVV0Ckv49Z_CjTYQkXruYijsrQRzCGMwo0oFKT8zQDGnHzJwGLS_Ttjt_ELSLkVbRC80kpmC7UyyBxjK32OEpzuCrmpDmin2hKq-1gWmd39uaTuqlXH0oGIs8QaH-uHQDNp5Z-8c/s320/288.jpg

لم يكن سعيد قط يؤمن بقوة الأقدار البعيدة، بل ارتكز على نظرية "المدرسة القريبة"؛ فالأحداث القريبة فحسب، حسب اعتقاده، هي من تنسج خيوط حياته. وجد في غزو صدام حسين للكويت، عام 1990، صدفة عابرة، لا سبباً لتغيير مصير أبيه، الذي ضاعت فرصته في جريدة "الأخبار" رغم وعدٍ من موسى صبري. هذه الفرص الضائعة، وتلك الأسباب التي رأى فيها تصرفات شخصية، جعلت سعيد شديد الحرص في خطواته الأولى، باحثًا عن فرص نجاحه. لم يدرك صحة ما كان يراه أبوه، حتى داهمته أحداثٌ من عالمٍ آخر، عالم الجن، لم يكن يعلم عنه شيئاً، وخاف منه كأي إنسان.

كانت تلك الأحداث، التي وقعت في عالم الجن، لتنسج مسار حياته دون سابق إنذار. بدأ القصة من منظوره، وما تصوره، وما علمته الأيام بعد ذلك. بدت له الأقدار البعيدة، تلك التي طالما استخف بها، وكأنها غيمة رمادية تتجمع فوق الأفق، لا تدري متى ستمطر، ولكنها حين تمطر، فإنها تغرق الروح في دوامة لا قرار لها.

الجني العجوز رواية 288 208 سبتمبر 2019 yes 201091985809 سعيد محمود الديب كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhSwKbyNH0kHObHsp7p6RcnpshRKgootnMrOuydD_rPY8mX3zV4KZPLtFoRT5KcFVJUaq0HL7hEyp-UOACQFk2hEhsPMjQ-oaw1LIPFUkQC2WssJq4GC1KRe3VCTfJGMNSXwUdfU_cdU3SmBPAgbt17PAyFaTDJ9Xag__fa7Da645sHFvQFBApqk717LO8/s800/%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D8%A8.jpg

لم تكن الأقدار يوماً مجرد ظلال عابرة لأحداث قريبة، بل هي مدٌّ وجزرٌ خفيٌّ ينسحب أثره على حتى ما بدا بعيداً. هكذا أدرك البطل، سعيد محمود الديب، بعد أن عاد ليجد أغوار عالمه الداخلي ممزقة بأحداث لم يكن ليخالها قادرة على المساس بحياته. ظن طويلاً أن الأقدار أرحام قريبة، وأن كل ما يحدث مجرد صدفة، شأنه شأن والده الذي عاش حياته بين فرص ضائعة وأبواب موصدة، حتى أنه لم يحصل على وظيفته الموعودة في جريدة "الأخبار" بعد غزو الكويت، فالصحفيون النازحون عادوا ليحتلوا أماكنهم. حاول البطل جاهداً أن يتجنب مصير والده، حريصاً على كل خطوة في بداياته العملية، راغباً في استغلال كل فرصة سانحة، لكن سرعان ما أثبتت له الحياة خطأ نظرته، وأنه حتى ما يقع في عوالم مجهولة، عوالم الجن، يمكن أن ينال منه.

في عمق ليالي الوحدة، كان يتأمل سقف غرفته، مطارداً شبح مريم، متصالحاً مع فكرة حبها المؤلم. عززت أمُّه محاولاتها المضنية لشفائه، لكنها بدلاً من أن تخفف عنه، أعادته إلى نقطة البداية، حيث يختنق مجدداً بقيود الحب اللعين. لم تكن عودة مريم إلى غرفته سوى تذكير مرير بمرارة كلمات أبيها، استعادة موجعة لماضٍ بدا وكأنه قد تحرر منه. أدرك أن مريم، رغم البعد، لا تزال تحمل له ذات المشاعر، وأنها انهارت وعادت إليه، تماماً كما فعل هو. لكن ماذا يفعل الآن؟ فات الأوان، كما غنت أم كلثوم، لقد فتح الجرح من جديد، وصار من المستحيل مداواته، وأيقن أنه لن يستطيع نسيانها أبداً.

بينما كان يتقلب على سريره، لفت انتباهه هاتف يرن على الكومودينو. كان حسام، لكنه لم يرغب في الرد. عاد إلى أفكاره المتشابكة، ثم انتصب فجأة، متذكراً حلاً سحرياً لمشكلته الطارئة. التقط الهاتف، محاولاً السيطرة على انفعاله المفاجئ، ورد على صديقه بكلمات تحمل خلفها ارتباكاً عارماً. تبين أن حسام غاضب لعدم رده على مكالماته المتكررة، لكنه يملك خبراً مهماً: "بكرة هاتصل بيك هقولك على مكان ترو".

على صعيد آخر، نجد إبراهيم، وقد بلغ به الضيق مبلغه، يواجه ضابطاً يحقق معه. ينكر علمه بأي شيء، متهماً إياهم ببهدلته وسجنه دون سبب، بينما هم يبحثون عن ابنه. يصر الضابط على أنهم هم من يريدون معرفة مكان الابن، ويتهمه بالانتماء إلى عصابة تاجروا بالآثار. يحاول إبراهيم نفي ذلك، مرتبكاً، لكن الضابط يضع أمامه تمثالاً للإله أنوبيس. عندها، يفلت من إبراهيم اعترافٌ يائس: "هما مش خدوه؟". يبتسم الضابط، مؤكداً أن هذه بداية للتفاهم، ثم يضغط سائلاً: "هما مين دول بقى؟". يبدو أن إبراهيم متورط مع ابنهم في تجارة الآثار، واستخدام السحر في التعامل مع المقابر الفرعونية، وأن خلافات مع شركائهم أدت إلى اختطافه، ثم تشابك الأمور مع ابنه، وفرار الابن مع زملائه من السطح عند وصول الشرطة، وما تلا ذلك من إطلاق نار. كل هذه الأحداث تكشف طبقات من التعقيد المؤلم، تربط بين مصير الأب والابن في شبكة من التجارة المحرمة والسحر، تحت وطأة التحقيق والبحث عن الحقيقة المفقودة.