النارية

استيقظ مروان ذات شتاءٍ والثلج لم يغطِ شوارع الإسكندرية بعد، لكنّ روحه كانت كأرضٍ قاحلة تنتظر مطر السماء. نادى "ليلى"... لم يجدها. غابت عن عالمه كالشمس خلف غيمة، تاركةً فراغاً يعوّض غياب الأب والأخت والصديقة. هي من سقت روحه عطش الحنان، وسكنت وجدانه. زوجةٌ صابرة، بل غدت هي كلّ ما يملك في دروب الحياة. طموحه الجامح، ذلك الوحش الذي كبحه، أثمر نجاحاً في العمل وفشلًا ذريعاً في زواجه، ترك ندوباً عميقة في قلبها. كانت ترى الرجل الذي أحبّته، والذي أخلصت له، يتهاوى أمامها يوماً بعد يوم، وهو متمسكٌ بخياراته. لم تكن تملك إلا أن ترى ضياعه، وهي التي سُقيت من مرارة أيامه. النارية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjiyuVSHXlgU1vbouIIzGEWvGPLssLmlvmnpQJ8MJzg23yUSWMhl2SP62KC26Ksw3TJdvLTTouqruZK6MH9SCTIQ0mhria6E3d3BeC4bV_F92lqyKN1o92HLhZE-VacFNe2xPwFZsxPRsL4Un1O1BaA1rzopk8ymaFT7yt2KagF050Bw95BgNeu5eLh3UI/s320/241.jpg

استيقظ مروان ذات شتاءٍ والثلج لم يغطِ شوارع الإسكندرية بعد، لكنّ روحه كانت كأرضٍ قاحلة تنتظر مطر السماء. نادى "ليلى"... لم يجدها. غابت عن عالمه كالشمس خلف غيمة، تاركةً فراغاً يعوّض غياب الأب والأخت والصديقة. هي من سقت روحه عطش الحنان، وسكنت وجدانه. زوجةٌ صابرة، بل غدت هي كلّ ما يملك في دروب الحياة. طموحه الجامح، ذلك الوحش الذي كبحه، أثمر نجاحاً في العمل وفشلًا ذريعاً في زواجه، ترك ندوباً عميقة في قلبها. كانت ترى الرجل الذي أحبّته، والذي أخلصت له، يتهاوى أمامها يوماً بعد يوم، وهو متمسكٌ بخياراته. لم تكن تملك إلا أن ترى ضياعه، وهي التي سُقيت من مرارة أيامه.

النارية رواية 241 84 يوليو 2019 yes 201091985809 محمد حليم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEio7ofVQMAIIVcWfzEc57CxVM3YXFCBCTqSZ8_a_yuoWr8vgn7JE-XOcofU_nifDer4G6i9GXtpS9KkC9i9Tnbw0xSe9Hcz6WXlSjlKUur0UDF-nKOOzYj_OXFui9acw2nhwZnAqmpsAXvGXMIYfzfy0g4GUgF7n5JQqz_ygS7HUs1WmF_n28Bpem7gpzc/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%85.jpg

يصحو "مروان" على صوت ينادي "ليلى.. ليلى.."، لكنها لم تعد هناك. غابت عن حياته، تاركةً فراغاً لم تملأه سنوات من البحث عن الذات. عوضته عن الأهل والصديق، غمرته بحنان وحب سكن وجدانها حتى استقر في وجدانه. 

احتملت صبْره، وقفت بجانبه، وعوضته عن كل ما فاته، فهو الذي بلغ طموحه عنان السماء، لكنه كبح جماح نفسه، ونجح في حياته العملية، لكنه أخفق في حياته الزوجية. نتج هذا الطموح الزائد عن أعراض جانبية، سبّب لها معاناة دائمة، ورأى الرجل الوحيد الذي أحبته وأخلصت له يسقط يوماً بعد يوم.

كانت تعلم جيداً أنه لن يتنازل عن اختياراته، وهذا ما زاد الطين بلة. سقطت ورقة صغيرة من جيبه، لم يلتفت لها، فقد كان غائباً، لم يدرك ما يفعله حتى أدركته "ليلى" بيديها، والتقطتها. كانت ورقة تحمل رقماً هاتفياً وحروفاً باللغة الإنجليزية لفتاة تدعى "صوفي"، ورسمة لشفتين مطبوعة باللون الأحمر الفاقع. 

أدركت فوراً أن هذه الورقة كانت سبباً في رحيلها. أدركت أيضاً أنها لن تكون المرة الأخيرة التي سيلتقيان فيها. جرى الدمع على وجنتيها كالسيل، وسقطت على جسده النحيل، المتآكل من الحزن، وانهارت مملكتها، وانطفأ بريق عينيها، وتفتت تحت قدميه. أملٌ يليه أمل، والمسؤول عن كل هذا الألم كان هو.

خرج من غرفته فاقداً الوعي تماماً، يتمايل يميناً ويساراً، ثم تركه وذهب وكأنه لم يراها ولم يتحدث معها. استمرت في النظر إليه، وازدادت به الحال التي وصل إليها، وصوت في داخلها يصرخ: "من أنت؟". 

"هل أصبحتُ أنا؟". "أريد هذه العيشة التي أريدها، صدقاً أريدها". "من أجلك؟". "أخبرني، أين حبيبي؟". "أين هو؟ أعيده إليّ". زادت حالته سوءاً، ببحثه الداخلي عن شيء ما. وقف مرتبكاً، يتوهم أنه يرتدي البنطولون، وقد ألقى حافظة نقوده.

دخل الغرفة، وسقط على الأريكة فور دخوله، فأخذ يبحث في جيبه قائلاً: "أين هذه الورقة اللعينة؟". "على ما يبدو في البنطولون، وأين هذا البنطولون اللعين هو الآخر؟". ثم اتجه نحو الباب قائلاً: "معك حق، سأرتدي السيارة وأركب الحذاء وأعود من حيث أتيت، لعلّي نسيتها هناك". "سأعود سريعاً، لا تقلق". 

قالت "ليلى" بصوت حاد وجاد: "أهذه هي الورقة؟".

عاد "مروان" إلى مزهله، مخموراً كعادته. آخر ما قاله قبل أن يغلق جفنيه ويغوص في النوم: "أعدك بأنين، ربما بيوم آخر". استيقظ في صباح اليوم التالي، على غير عادته، ينادي: "ليلى.. ليلى.. أهذه أنت؟ هل عدتِ يا حبيبتي؟".

هذه قصة "النارية"، رواية محمد حليم، رحلة في دروب الطموح والفشل، قصة حب تحمل في طياتها آلام الهجر والفقد، حكاية إنسان ضل طريقه بين شغفه ورغباته. دار لوتس للنشر الحر، في إصرارها على إعطاء الكاتب حريته الكاملة، تقدم هذا العمل الذي يعكس رؤية الأديب المثقف الذي يرى في الكلمة أداة للتغيير، وفي الرواية مرآة تعكس تعقيدات النفس البشرية.