حنين إلى الدهشة الأولى

على حافة الذاكرة، حيث تتلاقى أصداء غربةٍ ودفءُ وطن، ينسج جمال اللطيف قصائد "حنين إلى الدهشة الأولى". يكتبها بين مدنٍ أضحت مسرحًا لأحلامه، بين فرنسا والمغرب واليونان، بين عام 2016 و2020. في إهدائه الأول، يعانق العزلة التي علَّمته أن اتساع الروح لا تحده جدران الخارج، تلك السكون الذي أتى بعلمٍ أعمق من صخب الحركة. ويتوجه بإهدائه الثاني إلى أمه، حاملاً ذكرى دفترٍ دراسيٍّ قديم، علامةً على عالمٍ بسيطٍ كان يجمع بين المدرسة والبيت والطرقات. تظل تلك الحادثة محفورةً في ذاكرته، درسٌ في معنى الوجود، وفي محاولات الأم البسيطة لترسيم مسار ابنها. هنا، على الصفحات، تتكشف رحلةٌ روحية، يبحث فيها الشاعر عن ذاته بين زحام البشر، فيصطدم بمرارة الضياع، وبوحدةٍ يتقاذفها عالمٌ قاسٍ. حنين إلى الدهشة الأولى
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhKZZEPvNfBvXBiJDcFBh6tEy8jtmF5rfibQoQBaHXkYrrEGiF6F0DXUaNZ3Y6cV6IOAA5Hwrf9y3NwXp90gc0i-GKJcRlX2fpR0HubAoQkjrtDQPRBVusgfy-i6nQQ9JexqpS6cz9V0GHBJnIMykzlDkGVUOsw898GhEakmoyh2jhhBcmWjehV2h3V3h4/s320/443.jpg

على حافة الذاكرة، حيث تتلاقى أصداء غربةٍ ودفءُ وطن، ينسج جمال اللطيف قصائد "حنين إلى الدهشة الأولى". يكتبها بين مدنٍ أضحت مسرحًا لأحلامه، بين فرنسا والمغرب واليونان، بين عام 2016 و2020. في إهدائه الأول، يعانق العزلة التي علَّمته أن اتساع الروح لا تحده جدران الخارج، تلك السكون الذي أتى بعلمٍ أعمق من صخب الحركة. ويتوجه بإهدائه الثاني إلى أمه، حاملاً ذكرى دفترٍ دراسيٍّ قديم، علامةً على عالمٍ بسيطٍ كان يجمع بين المدرسة والبيت والطرقات. تظل تلك الحادثة محفورةً في ذاكرته، درسٌ في معنى الوجود، وفي محاولات الأم البسيطة لترسيم مسار ابنها. هنا، على الصفحات، تتكشف رحلةٌ روحية، يبحث فيها الشاعر عن ذاته بين زحام البشر، فيصطدم بمرارة الضياع، وبوحدةٍ يتقاذفها عالمٌ قاسٍ.

حنين إلى الدهشة الأولى شعر 443 96 يوليو 2020 yes 201091985809 جمال اللطيف كاتب مغربي

تتفتح القصائد في "حنين إلى الدهشة الأولى" كأزهار برية في دروب الحياة المتعرجة، ينسجها جمال اللطيف بخيوط من الشجن والتأمل. لم يأتِ هذا الديوان الشعري ليقدم حلولاً جاهزة أو إجابات قاطعة، بل ليفتح نوافذ على عوالم داخلية، حيث تتلاقى الغربة مع الحنين، ويسكن السكون أعماق الروح أكثر من ضجيج الحركة. يتجلى ذلك في إهدائه الأول للعزلة، تلك المعلمة الصامتة التي تكشف عن اتساع العالم بداخلنا، مقارنة بالضيق الذي نلتصق به أحياناً.

تتسلل الذكريات إلى صفحات الكتاب، مستحضرةً مشهداً طفولياً بسيطاً، لكنه يحمل ثقلاً عاطفياً هائلاً. صورة الأم التي عجزت عن توقيع دفتر المدرسة، حيث كان العالم كله يدور حول تلك العلامة البسيطة، تعكس بصدق عمق العلاقة الإنسانية، وتكشف عن تفاصيل صغيرة قد لا يتذكرها الآخرون، لكنها تبقى محفورة في ذاكرة الشاعر كوشم لا يُمحى. هذه الأم، التي كانت تحث على العلم والمسجد حتى في أشد حالات مرضها، هي الحافز وراء هذه الكلمات، وهي القلب النابض الذي يتغنى به الديوان.

تتوالى القصائد لتنسج لوحات شعرية قوية، تصور الحب كقوة قادرة على تحويل البشر إلى يتامى، أو مصادرة أحلامهم وأعمارهم، ليصبحوا شظايا متناثرة. يدرك الشاعر، مخاطباً امرأة ربما، أن الحياة التي مُنحت له قد تحولت إلى سراب، وأن كيانه أصبح مجرد هيكل جاثم على ركبتيه، يبكيه الزمان من فرط الخراب. يتيه هذا الكيان ككومة قش تذرّها الرياح، يبحث عن إياب، بينما يراقبه الظل كصياد ماهر يتربص بفريسته. يطول الانتظار لشمس ستصحو، لكن السؤال يبقى: هل ستصحو حقاً؟ لو كانت تلك المرأة تسير بجانبه، لربما أشرقت الأنوار وامتدت طريق من الورد والياسمين.

تتكرر عبارة "كل يوم يدق بابي نصف جواب وثلث سؤال"، كأنها صدى لضياع المعنى أو بحث دائم عن اليقين. تتجلى في قصائد أخرى رحلة البحث عن الذات بين الأنام، حيث تتداخل الأصوات وتضيع النداءات في زحام الحياة. يعبث الشاعر بنفسه، يفرغ كأسه، يشعل يأسه، ليصدق حدسه بأن طريقه نحو الانهزام، وأن الضياع هو ضياع السبيل. يضيع طقوسه، ينسى دروسه، فتقف النفس في حرب ضد نفسها، ترفض الظل، تأبى السكوت، وتتصارع مع ذاتها. يكتب لنفسه، يخاطب نفسه، لكن البحث يستمر.

تتخلل هذه الرحلة الداخلية تأملات في الألم والمعاناة. "كم من آه تكفينا؟" سؤال يتردد صداه، متسائلاً عن قدرة هذه الآهات على إخماد نار في الأيادي أو شفاء الجراح. وسيف الظلم ما زال مسلطاً، والجسد منهك. يتوجه الشاعر إلى الموت كملجأ أخير، سئماً من التخبط والكبد، من ستين ثقباً في الضمائر ورصاص على الجسد. يشعرون بالنفي في خريطة الكون، وأن هذا الكون يرفضهم، قد ضاق عن الأمل والمدد. يحلمون بالموت، فقد أصبح الملاذ الوحيد حين يرفضهم الكون.

لكن وسط هذا السواد، تولد الكلمات كبلسم. "هكذا ترتمي الكلمات عليّ، تقبلني"، هكذا يجد الشاعر راحته من الحزن والضيق حين يدون قافية. يحيك خيوطاً من الكلمات ليفدي بها حرقة الذكريات، ظلم الطغاة، وذنب الولادة قبل الممات. يحتمي بالقوافي، يلذ بها، يسكر، ثم يغشى عليه. هنا يكمن سحر الشعر، فهو ليس مجرد ترف فكري، بل هو فعل خلاص، هو وسيلة للبقاء في وجه قسوة الوجود.

تتوالى الصور الشعرية لتصف ولادة الشعراء من أحيائهم، ونطق الأبرياء بأخطائهم. من جحيم اللوعات تنصب الحروف لتصير دواوين أغنيات تنير دروباً مظلمة، وتخفف ثقل الحروب وحزن اللغوب. هكذا ينبض الحب من نظرة واحدة، هكذا سمع الشعر فأحبّه ورتّله. يتباهى بالكلمات، يطوف بها، تسافر ثم تعود إليه. يرسم لوحة من صدى حروفه، يحاكي بها قصة تائهة، يشتري بها ضحكة زائفة، ويقص بها صرخة صامتة.