حلم نون

يُخبرنا "حلم نون" عن حلمٍ لا يملكُ صاحبه إلا أن يحققه، حلمٌ يبدأ ببذرةٍ زرعتها الأستاذة نورا صبحي في يقظةٍ، لتثمرَ سبعين كاتبةً، كلّهن يروينَ وجعاً واحداً بلسانٍ مختلف. هذه ليست مجرد مجموعة نصوص، بل مرآةٌ تنكسرُ فتتضاعفُ الصور، كلّ شظيةٍ تحكي قصةَ قلبٍ يعشقُ، يخونُ، يموتُ، ويُبعثُ من جديدٍ بينَ السطور. الكتابُ أشبهُ بندوةٍ نسائيةٍ عابرةٍ للأزمنة، حيثُ تتصافحُ الأرواحُ عبرَ المسافات، وتتحدُّ في رثاءِ الحلمِ الضائع، وفي الإعلانِ عن أملٍ لا يموت، حتى لو كانَ بينَ دفتي كتابٍ. وكما حملَ "قلم عطر" بصمةَ البداية، يحملُ هذا الكتابُ بصمةَ الإصرارِ على أنَّ الحلمَ الجماعيَّ أقوى من انكسارِ الوحدة. حلم نون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhrAJ8IHCvDmM8hE6ggJUud93ZXrmA-DsDTu-MaKBKl6ifCrmZsOw4oKO3dr7jF7lpUjErIfBAkZCqYP__JPDCZAuKOiILHyvW7K0eiE9k0XmTlJhx5egfOQHyNdWg3sjVQUguAbdseXJfksU8P-OBasvzonTyIBxBxcIrU8O5KOzQcR91KdivPS2sB1NE/s320/531.jpg

يُخبرنا "حلم نون" عن حلمٍ لا يملكُ صاحبه إلا أن يحققه، حلمٌ يبدأ ببذرةٍ زرعتها الأستاذة نورا صبحي في يقظةٍ، لتثمرَ سبعين كاتبةً، كلّهن يروينَ وجعاً واحداً بلسانٍ مختلف. هذه ليست مجرد مجموعة نصوص، بل مرآةٌ تنكسرُ فتتضاعفُ الصور، كلّ شظيةٍ تحكي قصةَ قلبٍ يعشقُ، يخونُ، يموتُ، ويُبعثُ من جديدٍ بينَ السطور. الكتابُ أشبهُ بندوةٍ نسائيةٍ عابرةٍ للأزمنة، حيثُ تتصافحُ الأرواحُ عبرَ المسافات، وتتحدُّ في رثاءِ الحلمِ الضائع، وفي الإعلانِ عن أملٍ لا يموت، حتى لو كانَ بينَ دفتي كتابٍ. وكما حملَ "قلم عطر" بصمةَ البداية، يحملُ هذا الكتابُ بصمةَ الإصرارِ على أنَّ الحلمَ الجماعيَّ أقوى من انكسارِ الوحدة.

حلم نون خواطر- سلسلة كتاب لوتس 34 531 84 فبراير 2021 yes 201091985809 مجموعة مؤلفات جسيات منوعة

ينطلقُ "حلم نون" من فكرةٍ بسيطةٍ في ظاهرها، عميقةٍ في جوهرها: سبعون كاتبةً، تجمعهنّ رؤيا واحدة، رأتها الأستاذة نورا صبحي في منامها، لتتحولَ إلى مشروعٍ كتابيٍّ مدهش. غيرَ أنَّ ما يبدو كمجموعةِ نصوصٍ متفرقةٍ سرعانَ ما يكشفُ عن نسيجٍ شعريٍّ وروائيٍّ مترابط، يغوصُ في أعماقِ النفسِ الأنثويةِ بكلّ تناقضاتها. فالكتابُ، الذي أهدته المحررةُ هاني النجار لروحِ الكاتبةِ منى لطفي، هو أشبهُ بمرثيةٍ جماعيةٍ للحلمِ الذي لا يموت، ورحلةٍ عبرَ منازلِ الروحِ من الشوقِ إلى الفقد، ومن العناقِ إلى الفراق.

تتوزعُ نصوصُ الكتابِ بينَ قصائدَ نثريةٍ، وخواطرَ وجدانيةٍ، وومضاتٍ سرديةٍ قصيرة، وكأنّ كلَّ كاتبةٍ تحاولُ أنْ تختزلَ عمراً من المشاعرِ في سطرٍ أو سطرين. ففي نصّ "تقضمُني لمسافةٍ تجعلُ لا"، تُعبّرُ الكاتبةُ عن دهشتها من قدرتها على قراءةِ الآخرِ عن بُعدٍ، وكأنّ الحبَّ قد جعلَ منها كتاباً مفتوحاً على مصراعيه، تقرأُ حروفَه قبلَ أنْ تُكتب. هذا الإحساسُ بالوحدةِ الوجوديةِ والارتباطِ الغامضِ بالآخر، هو خيطٌ ناظمٌ يمرُّ عبرَ معظمِ النصوص، حيثُ يختلطُ الحلمُ باليقظةِ، ويصيرُ الغائبُ حاضراً بقوةِ الشوق.

يتجلّى الألمُ بأشكالٍ متعددة، من وجعِ الفراقِ في نصّ "فراق الغوالي" للدكتورة بديعة سليمان، حيثُ تتخذُ الكاتبةُ من الحزنِ درعاً ومن الإيمانِ سلوى، إلى صرخاتِ الرفضِ في "قوة زائفة" لنورهان إبراهيم، التي تناضلُ فيها الشخصيةُ مع تناقضِها بينَ قسوةِ المظهرِ وضعفِ المخبوء. غيرَ أنَّ هذا الألمَ ليس يائساً، بل هو ألمٌ خصبٌ يولدُ نصوصاً، كما في "وفي حُبِّ الكتابةِ أذوب" لإبهال أشرف، حيثُ تصيرُ الكتابةُ نفسُها معشوقةً وملجأً، وكأنَّ القلمَ هو الطريقُ الوحيدُ للخلاصِ من جحيمِ الواقع. من هنا، يمكنُ قراءةُ المجموعةِ ككلّ كسيرةٍ ذاتيةٍ جماعيةٍ للكاتبةِ العربيةِ التي تعيشُ ألمَ الانتماءِ بلا هويةٍ واضحة، بينَ رغبةٍ في التحررِ وقيودِ التقاليد، وبينَ حلمٍ بالحبِّ وواقعِ الخيانة.

لكنَّ المفارقةَ الأعمقَ في الكتابِ تكمنُ في تنوعِ الأصواتِ النسائيةِ التي تتحدثُ، وكأنها صوتٌ واحدٌ، جريحٌ لكنه صاخبٌ بالحياة. نصوصٌ مثلُ "طعم الخيانة" لصابرين الزعثوري، التي ترصدُ ببراعةٍ التناقضَ الصارخَ بينَ ما تُملِيهِ الأمهاتُ من صبرٍ وتغاضٍ، وما تشعرُ بهِ البطلةُ من تمزقٍ داخليٍّ، تُظهرُ كيفَ تتحولُ التجربةُ الشخصيةُ إلى نقدٍ اجتماعيٍّ لاذع. وفي المقابل، نصوصٌ مثلُ "في الخمسين" لأمل محمد زعير، تقدّمُ تأملاً رومانسياً مؤثراً عن الحبِّ الذي لا يشيخ، وعن الذكرياتِ التي تزدادُ وهجاً معَ مرورِ السنين، وكأنَّ الكتابَ برمّته هو احتفاءٌ بالأنثى في كلِّ مراحلِ عمرها، من طفولةِ "الوردة المتفتحة" لفرح بن عزوز، حيثُ يختلطُ اللعبُ بالحلمِ الممتدِّ إلى المستقبل.

لا يخلو الكتابُ من نصوصٍ تخرجُ عن الإطارِ الشخصيِّ الضيقِ لتلامسَ همَّ الوطنَ، كما في نصِّ "ماذا عنك أيها الوطن؟" لميرة نيل، حيثُ تتحولُ الحروفُ إلى دموعٍ على جراحِ أرضٍ تتعبُ ولا تموت. هذه الالتفاتةُ نحوَ العامِّ تُضفي على المجموعةِ بُعداً سياسياً خفيفاً، يذكرُ القارئَ بأنَّ همومَ الأنثى لا تنفصلُ عن همومِ وطنها، وأنَّ جرحَ الحبِّ قد يكونُ صورةً مصغرةً عن جرحِ الانتماء. وفي هذا السياق، تبدو دعوةُ "الا مفرداتية" لإيمان عبد الحكيم، التي تصفُ فيها شخصيةً تعتادُ ارتداءَ الأسودِ وتختبئُ خلفَ ابتسامة، وكأنها مرآةٌ تعكسُ حالَ جيلٍ كاملٍ يعيشُ ألمَ الصمتِ وقسوةَ التهميش.

أسلوبُ الكتابِ جماعيٌّ بطبيعته، يتنوعُ بينَ الشعريةِ العاليةِ في نصوصِ "قمر ومدينة وموسيقى" لشذى كامل خليل، والتي تكادُ تكونُ قصيدةً نثريةً مكتملةً، وبينَ الواقعيةِ المباشرةِ في نصوصٍ مثلِ "ستة أشهر وسنتين" لسمية بوكحيلي، التي تروي معاناةَ امرأةٍ تمسكتْ بحبٍّ خائنٍ بحجةِ أنهُ الأول. هذا التنوعُ الأسلوبيُّ لا يُضعفُ النسيجَ العامَّ بل يُثريه، ويجعلُ منَ الكتابِ رحلةً متعددةَ الأوجهِ في عوالمِ المرأةِ العربية، التي تارةً تكونُ عاشقةً تهذي باسمِ حبيبها، وتارةً أخرى تكونُ محاربةً ترفضُ الخنوعَ، وتارةً ثالثةً تكونُ حكيمةً تتأملُ دروسَ العمر. من هنا، يمكنُ القولُ إنَّ "حلم نون" ليس مجردَ كتابٍ، بل هو مشروعٌ ثقافيٌّ بامتياز، يكرسُ لفكرةِ الكتابةِ النسائيةِ كفضاءٍ للتحررِ والمواجهةِ وبناءِ الذات,