طريقي بقربك

تتوارى الأبواب في وجهها، وتُغلق الأماكن التي طرقتها. أصبحت وحيدة، غريبة، شريدة. يتساقط منها دمعٌ لا يجد مستقرًا، وتتوقف عن المسير حيث تجلس على الرصيف، مستندة إلى حقيبتها، لتغفو كمن فقد الأمل، فقد البيت، فقد الحياة. في هذه الرواية، تتجسد "وعد"، الفتاة ذات الملامح البريئة التي تشبه أمها، لتجد نفسها في دوامة الحياة بعد أن اختطفها والدها تاركًا وراءه سَرابًا. تتشبث بذكرى أمها، وتتساءل عن نهاية الطريق، هل هو قدرٌ كتب أم بدايةٌ لم تُدرك؟ وسط هذا الضياع، يظهر "أمير"، الشاب الذي يمتلك مستشفى، ليواجه قسوة الحياة في أروقتها، ويجد نفسه أمام مفترق طرق بين واجبه الإنساني وعواصف مشاعره المتنامية تجاه "وعد". طريقي بقربك
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhg9jr7kiIR755Uxw1Wlzun2GhUrk9IjpcSwT50IViLZbHFtAxXneR9Wz2yU-xVlzt8TtvurpQD3dp2moQFOt18Cl8PhjqmKlVmnpLwwTJuYVzyiS8jd1xUwT9dq0Ukh3x9G8305oESQVWpQOSMeqTtuSfvk8QGlNqlmIPv1jFjAt60qF4aRSzc_uZ91GQ/s320/348.jpg

تتوارى الأبواب في وجهها، وتُغلق الأماكن التي طرقتها. أصبحت وحيدة، غريبة، شريدة. يتساقط منها دمعٌ لا يجد مستقرًا، وتتوقف عن المسير حيث تجلس على الرصيف، مستندة إلى حقيبتها، لتغفو كمن فقد الأمل، فقد البيت، فقد الحياة. في هذه الرواية، تتجسد "وعد"، الفتاة ذات الملامح البريئة التي تشبه أمها، لتجد نفسها في دوامة الحياة بعد أن اختطفها والدها تاركًا وراءه سَرابًا. تتشبث بذكرى أمها، وتتساءل عن نهاية الطريق، هل هو قدرٌ كتب أم بدايةٌ لم تُدرك؟ وسط هذا الضياع، يظهر "أمير"، الشاب الذي يمتلك مستشفى، ليواجه قسوة الحياة في أروقتها، ويجد نفسه أمام مفترق طرق بين واجبه الإنساني وعواصف مشاعره المتنامية تجاه "وعد".

طريقي بقربك رواية 348 416 ديسمبر 2019 no منى سليمان كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiNX3d9Es-aeHTwos3ntIlnMfJWQwZ7LTS3VioRXq-o1KUdfEsDL1ADkNcgseXMMSw6dupEg8SP5Eumy9XG1XqfiwxDO-Cwnu3p2dBs9feqPNAEvBuCEn03-zHX0Bdp2iRcpT-pk1G0el2GMEHNmg73aGgxJFBxj5ZpF0vysPKqUhGKD2hx2CLDQ6Gs5BM/s800/%D9%85%D9%86%D9%89-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86.jpg

تنسج منى سليمان في روايتها "طريقي بقربك" خيوط مأساة إنسانية تنبثق من رحم ثلاثية "قدر النساء"، حيث تضعنا أمام مرآة تعكس انكسار الروح حين تخذلها الروابط الأوثق. تبدأ الحكاية بـ "وعد"، الفتاة التي تحمل ملامح البراءة كإرث عن أمها، لكنها تجد نفسها فجأة في مهب ريح عاتية بعد طلاق والديها. لم يكن الانفصال مجرد ورقة رسمية، بل كان زلزالاً هدم سقف الأمان، ونزعها من أحضان الأم ليلقي بها في أتون قسوة الأب وعجزها الصامت. تمضي وعد في دروب لا تعرف نهايتها، تطرق أبواباً موصدة بقلوب غلف، حتى يدركها التعب فتغفو على أرصفة الطريق، مسندة رأسها إلى حقيبة هي كل ما تبقى لها من حطام حياة سابقة. هذا المشهد يذكرنا بما قاله دوستويفسكي حول المعاناة التي تسبق النضج؛ فوعد لم تكن تبحث عن مأوى فحسب، بل كانت تبحث عن هوية ضاعت بين صراعات الكبار الذين نسوا أن للأبناء أرواحاً تُهدم.

يطل الحظ بوجهه الشحيح من خلال شخصية سوسن، التي تمثل المرفأ المؤقت في بحر وعر. تصر وعد، رغم انكسارها، على استكمال مسارها العلمي في كلية الطب، مقترحة العمل في العطلات لتعيل نفسها، في محاولة بائسة لترميم ما أفسده الجور العائلي. هنا تبرز مأساة "نور"، الصديقة الراحلة التي تركت فراغاً لا يملؤه سوى دموع وعد فوق صورتها، متمنية لو تبادلت معها الأقدار لترتاح من ثقل الوجود. تتصاعد وتيرة الأحداث حين يظهر "أمير"، الطبيب وصاحب المشفى، الذي يجسد النقيض التام للانتهازية المادية. يتدخل أمير لينقذ سيدة فقيرة وابنتها من صلف موظف استقالة، كاشفاً عن جوهر إنساني يرفض تحويل الألم إلى سلعة تجارية. هذا اللقاء القدر يضع وعد في مدار أمير، ليس كمجرد طالبة متفوقة في كليته، بل كنسمة هادئة وسط صخب حياته المليئة بالمكائد الاجتماعية.

تتعقد الحبكة مع دخول "نادين"، الشخصية التي تمثل الغيرة الطبقية والزيف العاطفي. تحاول نادين النيل من وعد ووصفها بـ "الخادمة"، مما يفجر بركاناً من الغضب داخل أمير لم يعهده المقربون منه. يقف أمير حائط صد منيعاً أمام محاولات التقليل من شأن وعد، معلناً بحدة أنها خط أحمر لا يجوز تجاوزه. تعكس هذه المواجهة تحولاً جذرياً في مشاعر الطبيب الرزين، الذي وجد في صمود وعد وكبريائها ما لم يجده في صالونات الطبقة المخملية. تراقب "سلوى"، والدة أمير، هذا التحول بعين الأم التي تتمنى لابنها خلاصاً من قيود التقاليد الباردة، مستبشرة بومضات العشق التي بدأت تلوح في أفق نظراته القاسية والمدافعة في آن واحد.

الرواية في جوهرها ليست مجرد قصة حب تقليدية، بل هي رحلة بحث عن الانتماء في عالم يقدس المادة ويغفل عن هشاشة النفس البشرية. تنقلنا الكاتبة بين أروقة المستشفيات الاستثمارية وغرف النوم المليئة بالأسرار، لتكشف أن الطريق ليس جغرافيا تقطعها الأقدام، بل هو صيرورة يقين تقطعها الروح. تظل وعد الرمز الأبرز لكل امرأة وجدت نفسها ضحية لقسوة ذكورية أو برود أنثوي، لكنها تأبى أن تكون مجرد هامش في كتاب الآخرين. إنها قصة الألم الذي يصنع الأمل، والظلام الذي يسبق بزوغ الفجر، حيث يظل الطريق بقرب من نحب هو السبيل الوحيد للنجاة من تيه التشرد النفسي. ينتهي النص دون أن يغلق القوس، تاركاً القارئ في حالة من التأمل حول أقدار النساء اللواتي يصنعن من دموعهن جسوراً للعبور نحو غد قد يكون، رغم كل شيء، أكثر إنصافاً.