وقتي من ذهب

عاد كريم وخالد من مدرستهما ظهرًا، فسلم كل منهما على أمه وقبّل يدها. طلبت الأم بابتسامة أن يذهبا لأداء صلاة الظهر، ثم استحثتهما على إنهاء واجباتهما المدرسية قبل أن تنتهي من إعداد الغداء. دخل خالد غرفته، بدل ملابسه، وأدى الصلاة، ثم شرع في واجبه. لكنه فوجئ بأخيه ما زال يرتدي زيه المدرسي، ممسكًا بهاتفه. سأله خالد عن سبب تأخره، فأجابه كريم أنه سينهي لعبته أولاً، فقد وصل للمستوى الأخير. لم يعقب خالد، بل واصل واجبه بتركيز. عندما نادت الأم لتناول الغداء، نهض خالد بهدوء، بينما انتفض كريم مسرعًا نحو المائدة بملابسه المدرسية. بعد الطعام، أعلن الأب عن مفاجأة: رحلة للنادي لممارسة السباحة. قفز خالد فرحًا، بينما اعتلى الحزن وجه كريم. سأله الأب عن سبب حزنه، فأجابه كريم بأنه لن يستطيع الذهاب لأنه لم يكتب واجباته بعد، ولم يذاكر لامتحانه غدًا. وقتي من ذهب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiP6fcZBABls2Nz4gcyxf0KAmwrDCHiBnezT6W3917dj16fBVhlmWeW0-sYcJwIkyPqkcEuak1pLlykE62aBohUWGeAUDElskDPFAeYLi1MTiDocm5LLpkj1YeX37kX7FdXcXiaQ4-ZxG4DTEFTxcwaZxLdW_6DpR7xirJWAzm6mMc1Q8E1b79qpSIXbKo/s320/302.jpg

عاد كريم وخالد من مدرستهما ظهرًا، فسلم كل منهما على أمه وقبّل يدها. طلبت الأم بابتسامة أن يذهبا لأداء صلاة الظهر، ثم استحثتهما على إنهاء واجباتهما المدرسية قبل أن تنتهي من إعداد الغداء. دخل خالد غرفته، بدل ملابسه، وأدى الصلاة، ثم شرع في واجبه. لكنه فوجئ بأخيه ما زال يرتدي زيه المدرسي، ممسكًا بهاتفه. سأله خالد عن سبب تأخره، فأجابه كريم أنه سينهي لعبته أولاً، فقد وصل للمستوى الأخير. لم يعقب خالد، بل واصل واجبه بتركيز.

عندما نادت الأم لتناول الغداء، نهض خالد بهدوء، بينما انتفض كريم مسرعًا نحو المائدة بملابسه المدرسية. بعد الطعام، أعلن الأب عن مفاجأة: رحلة للنادي لممارسة السباحة. قفز خالد فرحًا، بينما اعتلى الحزن وجه كريم. سأله الأب عن سبب حزنه، فأجابه كريم بأنه لن يستطيع الذهاب لأنه لم يكتب واجباته بعد، ولم يذاكر لامتحانه غدًا.

وقتي من ذهب تربوي 302 16 أكتوبر 2019 yes 201091985809 نشوى بدر كاتبة مصرية

الوقت ليس رمالاً تتسرب من بين أصابعنا فحسب، بل هو المادة الخام التي نغزل منها وجودنا الإنساني، وهذا ما تحاول الكاتبة نشوي بدر ترسيخه في مجموعتها القصصية "وقتي من ذهب". تنطلق الحكاية من عتبة الطفولة، حيث يتجلى الصراع الصامت بين الانضباط والارتهان للمتعة الآنية، ممثلاً في شقيقين يقفان على طرفي نقيض من مفهوم المسئولية. خالد الذي يطوي ساعات نهاره بالصلاة والمذاكرة المتقنة، وكريم الذي يغرق في عوالم الألعاب الإلكترونية الافتراضية، ليجد نفسه في نهاية المطاف وحيداً أمام جدار الندم حين تأتي لحظة المكافأة، فيحرم من نزهة عائلية لأن واجباته المدرسية ظلت معلقة في ذمة الإهمال. هذه المفارقة تذكرنا بما ذهب إليه الفيلسوف الرواقي "سينيكا" حين قال إن الحياة ليست قصيرة، ولكننا نحن من نضيعها، فالكتاب لا يقدم وعظاً جافاً، بل يضع الطفل أمام مرآة اختياراته ليلمس بيده أثر الفوضى على بهجة يومه.

تنتقل صفحات الكتاب من السرد القصصي إلى بناء منهجية تربوية تقوم على تحويل الوقت من عدو يطاردنا إلى حليف نبني معه النجاح، وذلك عبر أدوات تفاعلية تهدف إلى تعديل السلوك وتنمية الشخصية. يرتكز العمل على مفهوم ترتيب الأولويات، حيث تصبح الصلاة والواجبات المدرسية هي القواعد الصلبة التي يقوم عليها الهيكل اليومي، بينما تترك المساحات الأخرى للهوايات والراحة والرياضة. إنها دعوة للتركيز، تلك الملكة التي يصفها الكتاب بأنها المهارة التي تصنع الشخص المتميز، فبدون التركيز تتبعثر الجهود كأوراق خريفية أمام ريح عاتية. يقدم الكتاب جداولاً عملية لتحفيز الطفل على مراقبة ذاته، ليس من قبيل الرقابة السلطوية، بل كنوع من "التدبير المنزلي" للروح والوقت، حيث يرصد الطفل صلواته، وعاداته الغذائية، ومدى التزامه بالابتعاد عن مشتتات الهواتف المحمولة أثناء المذاكرة.

النفس البشرية، كما يراها هذا العمل، تحتاج إلى نظام يمنحها الطمأنينة، ولذلك تحضر الصلاة في النص ليس فقط كفرض ديني، بل كمحطة للاستراحة النفسية وإيداع الأماني بين يدي الخالق، مما يمنح الطفل توازناً بين المادة والروح. تبتعد الكاتبة عن التلقين المباشر وتستبدله بـ "هدية كريم"، وهي عبارة عن جدول زمني يساعد القارئ الصغير على استعادة السيطرة على يومه، مع التركيز على أهمية استثمار الدقائق في القراءة وألعاب الذكاء التي تنمي المدارك. إن الكتاب في جوهره رحلة لاستكشاف قيمة "الآن"، وكيف يمكن لقرار صغير بتقديم الواجب على اللعب أن يغير شكل المساء بأكمله، محولاً إياه من سجن للمذاكرة المتأخرة إلى فضاء رحب من السعادة العائلية.

يختتم الكتاب رؤيته بالتأكيد على أن الانضباط الذاتي هو أعلى درجات الحرية، فمن يملك وقته يملك مصيره، ومن يتعلم تنظيم أولوياته في الصغر، سيجد الطريق ممهداً أمامه في الكبر لخوض غمار الحياة بثبات. لا يغفل النص عن التحديات والعقبات التي قد تواجه الطفل في تنفيذ هذه الجداول، بل يترك مساحات بيضاء للقارئ ليكتب ملاحظاته ويقترح حلولاً لمشكلاته الخاصة، مما يجعل من الكتاب شريكاً حوارياً وصديقاً ينمو مع نمو وعي الطفل. إنها صرخة هادئة في وجه عصر السرعة والمشتتات، تعيد الاعتبار لقيمة الإنجاز الهادئ والتركيز العميق، مؤكدة أن الذهب الحقيقي ليس في الخزائن، بل في الساعات التي نحسن غرسها بالعمل لنحصد ثمارها نجاحاً وطمأنينة.