رسائلي إليك

تتسرب المشاعر إلينا كأنها أمطار خريف تتكثف خلف نوافذ الروح، فنقف حائرين أمام عجزنا عن التقاط خيوطها لنسجها حرفاً. نغرق في بحر من الأحاسيس، نرسمها أحياناً بأوراق بيضاء ومحبرة، ونغمس ريشها في دم القلب، نرسلها بلا طابع، بلا عنوان، أملاً في أن تصل. هذه الرسائل ليست سوى أطياف مشاعر، أطلقتُها في وجه الريح، لعلك تلتقطها ذات يوم، أنت الذي تسكنني دون أن تعرف. إنها ذاك الصدى المكتوم في حنايا القلب، حين تتجمد الكلمات في الحلق، وحين يفوق الشوق قدرة الألفاظ على حمله. هي تلك النبضة الخفية التي ترفض الانكشاف، إلا لمن يملك مفاتيح الروح، ليحتضنها دون قيد أو شرط. رسائلي إليك
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiMzI_kCzK_hJEkYntQqLzsGmM_ADuXVxTg3JciQmrkjAThQqSOmqdqlcOZGP9TRS-zDl08jST5XPub5BTM_0XctyzguNw-8Ennr0Fexpg5S6PdIDcCDhqyQzGu_ZT7jkSXY2zaiKX3YTx97-fELAvdmaHlW4pCes3k1OQOxLELVeT_hjRIInXkQU0voqM/s320/438.jpg

تتسرب المشاعر إلينا كأنها أمطار خريف تتكثف خلف نوافذ الروح، فنقف حائرين أمام عجزنا عن التقاط خيوطها لنسجها حرفاً. نغرق في بحر من الأحاسيس، نرسمها أحياناً بأوراق بيضاء ومحبرة، ونغمس ريشها في دم القلب، نرسلها بلا طابع، بلا عنوان، أملاً في أن تصل. هذه الرسائل ليست سوى أطياف مشاعر، أطلقتُها في وجه الريح، لعلك تلتقطها ذات يوم، أنت الذي تسكنني دون أن تعرف. إنها ذاك الصدى المكتوم في حنايا القلب، حين تتجمد الكلمات في الحلق، وحين يفوق الشوق قدرة الألفاظ على حمله. هي تلك النبضة الخفية التي ترفض الانكشاف، إلا لمن يملك مفاتيح الروح، ليحتضنها دون قيد أو شرط.

رسائلي إليك رسائل 438 64 يوليو 2020 yes 201091985809 صفا غُنيم كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgyjEwAKcSIABNloqilr6i0WU811bnnskdIK8QhLOUuow8KF5SjCyAq3iItlDhXNeE-XjwrHhCPEhME2peRQhW7zjhGioo3Ww1necYGUsFIOiW9lJtqEOqOnWDq723zI5AbzFd764Ml87AaW4klsHc7aHkA464G7ljp5-y8BRZDJVZ5WVtkuwiQXSSWCjI/s800/%D8%B5%D9%81%D8%A7%20%D8%BA%D9%86%D9%8A%D9%85.png

تترك الرسائل الورقية أثرًا على الصفحات كقطرات ندى، لكن رسائل صفا غنيم في "رسائلي إليك" تتدفق كدمعات محفوظة في قارورة روح. لا تُكتب هذه الكلمات لتحمل أخبارًا، بل لتبني جسرًا من حروفٍ بين غيابين: غياب المُرسَل إليه، وغياب اللغة القادرة على احتواء هذا الحب الذي يشبه "الساكن بين الضلع والضلع". كل رسالةٍ قبسة نار في موقد الغياب، تدفئ كاتبتها وهي تواجه صقيع الوحدة: "أشعر بالدفء مهما كان الصقيع يلف الكون".

الحب هنا ليس مجرد شعور، بل هو جغرافيا شخصية ترسم حدودها الرسائل. العزيز ليس اسمًا، بل هو مرادفٌ للوجود: "يا خشوعي في محراب روحي"، "يا شمس قلبي وقت غيوم". هذه الثنائية – حضورٌ عبر الغياب – تخلق لغةً خاصةً حيث الضحكة "تجمع بهجة الأعياد" وتصبح الورقة البيضاء "رسائل صامتة" تبحث عن عنوان. حتى البرودة تتحول إلى استعارةٍ عن الجفاف العاطفي: "الثلج هو أن يتجمد حنانك دون يد تمسح فوق رأسك".

تتسرب المفارقات إلى نص غنيم كضوء القمر من بين الستائر. الكاتبة التي تشكو: "لم تترك من مشاعري شيءًا" هي نفسها التي تعترف: "لك مني وعد، لك علي عهد، سيبقي كل ما بي لك". الحب طوق نجاةٍ وطوق سجنٍ في آن: "أخذت مني وحدك كل شيء" ثم في الصفحة التالية: "أورثتك ظلمي بأنني أورثتهم أكثر مني". هذه التناقضات ليست ضعفًا، بل هي نسيج الحب الذي لا يعرف القياس المنطقي، حبٌ يشبه "منحوتاتٍ من الياسمين" تُهدى في صمت.

الكتاب ليس مجرد مراسلات، بل هو سيرة علاقةٍ تكتب نفسها بالغياب. اللغة هنا تشبه "كولاجًا" من المشاهد: مطرٌ يبتل المشاعر، شتاءٌ قارسٌ يذوب بدفء الذكرى، ضحكةٌ "أصبحت روحًا جديدة". حتى الجسد يتحول إلى حروفٍ عندما تصف الكاتبة نفسها كـ "خطابات عاشق نصفه مقيم ونصفه مسافر". هذا التماهي بين الجسد والنص يذكرنا بأن الحب العظيم لا يسكن القلب وحده، بل يسكن اللغة التي تخلقه يومًا بعد يوم.

تختتم غنيم رسائلها بصورةٍ تقطر شاعرية: "أوصيتُ حنايا روحي بكل حروفِك". الكتاب كله وصيةٌ من امرأةٍ دفنت أحاسيسها في سطورٍ بيضاء، علّها تصل إلى ذلك العزيز المجهول الذي قد يكون حبيبًا، أو ربما يكون الجزء المفقود من نفسها. رسائل لا تحتاج إلى طابع بريد لأنها تسافر في دم القارئ قبل أن تصل إلى أي عنوان.