حظي من السما

هذه القصائد لا تُقرأ، بل تُعاش. كلّ سطرٍ فيها يختبئ خلف ظلالِ الليلِ الذي طالَ انتظاره، وصوتِ امرأةٍ تَظهرُ كالقمرِ حينَ يغيبُ النجمُ الأخير. في "حظي من السما"، يُمسكُ الشاعرُ أحمد هارون كراويه بأهدابِ الشوقِ الممزوجةِ بالوجع، ويرفعُها رايةً في وجهِ جفافِ اللغةِ اليوميّة. القصيدةُ هنا ليستْ تطويعاً للوزنِ الشعبي، بل احتفاءٌ بغريزةِ الحبِّ التي تنتصرُ برغمِ القطيعة. أنتَ هنا لستَ قارئاً، بل مُخاطَباً يستمعُ إلى همسٍ يريدُ أن يصلَ إلى عنقِ روحه. إنه كتابُ مَن صارَ الحبُّ عندَه ماءً يَرْوي، وناراً تُحرقُ في آن. حظي من السما
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjWZfU0vgVCV9zxw_OquTu9cksGK0aaIrT0aXMyxcFY4lo9W4UwMUeH-MvO1RuHcdcM6evUDMesCUOhhoWvEbs9o5vHbymgRmIxLnDThNVASzUXZKgEPDBd-v-QFFQXve-aAc0u91qq9qRG3TC9AY1uW8XzXIbyuRGNv2hejC5QBWa1pqyc_HlRC1jBH1g/s320/696.jpg

هذه القصائد لا تُقرأ، بل تُعاش. كلّ سطرٍ فيها يختبئ خلف ظلالِ الليلِ الذي طالَ انتظاره، وصوتِ امرأةٍ تَظهرُ كالقمرِ حينَ يغيبُ النجمُ الأخير. في "حظي من السما"، يُمسكُ الشاعرُ أحمد هارون كراويه بأهدابِ الشوقِ الممزوجةِ بالوجع، ويرفعُها رايةً في وجهِ جفافِ اللغةِ اليوميّة. القصيدةُ هنا ليستْ تطويعاً للوزنِ الشعبي، بل احتفاءٌ بغريزةِ الحبِّ التي تنتصرُ برغمِ القطيعة. أنتَ هنا لستَ قارئاً، بل مُخاطَباً يستمعُ إلى همسٍ يريدُ أن يصلَ إلى عنقِ روحه. إنه كتابُ مَن صارَ الحبُّ عندَه ماءً يَرْوي، وناراً تُحرقُ في آن.

حظي من السما شعر 696 82 أكتوبر 2022 yes 201091985809 أحمد هارون كراويه كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj6sJR4I5SWhMe4wpBopdJIJ8gcvSTGpq0CAU9fxyZ_JVvb9nmEDtQg-Vyv5KJTb37_gTbmIZOPh3wOU7xbZSf7z4mxk1XLBqjohTPgtr1Z2Ojd5a6e39eaYEIVBvyyGLrmrHMp-KnjBxuukkKd2c-ZLUCneNXoIfhXXvUwMQCWSIoWg3oVKj3ilzWAR5g/s295/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%88%D9%8A%D9%87.jpg

"حظي من السما" ليس مجرد ديوان شعرٍ عاميّ، بل أشبهُ برسائلَ متبادلةٍ بين عاشقين، تَتَخلَّقُ فيها المشاعرُ في فضاءٍ من اللهفةِ والغياب. النصوصُ هنا ترفضُ أن تُحْبَسَ في قوالبَ تقليديةٍ، إذ يسلكُ الشاعرُ طريقاً تعبيرياً يعتمدُ على التكرارِ العاطفيّ والتراكيبِ الحوارية التي تخلقُ جواً من التّواصلِ الحميميّ المُفترض. القصائدُ الممتدةُ على اثنينِ وسبعينَ مقطعاً، صُممتْ لتكونَ مرآةً للعلاقاتِ الرومانسيةِ الخالصةِ، التي تتنقّلُ بينَ النشوةِ والألمِ دونَ أن تفقدَ بوصلةَ الشوقِ الجامح.

يُوظّفُ كراويه قاموساً عاطفياً غنيّاً، تستدعي فيه مفرداتُه صوراً من الطبيعة، كالبحرِ والقمرِ والنسيمِ والنيلِ، لتكونَ امتداداً لانفعالاته. غيرَ أنَّ ما يُميّزُ هذه المجموعةَ هو بناءُ القصائدِ كنوعٍ من المونولوغ الداخليّ، حيثُ يتحدّثُ العاشقُ إلى محبوبتهِ وكأنّها في الغرفةِ نفسها، أو كأنّها تسمعُ سرّه من بعيد. هذا التوجّه الحواريّ جعلَ النصَّ قريباً من الإيقاعِ اليوميّ، ممّا يُسهّلُ على القارئِ أن يجدَ نفسَه في داخلِ تلكَ الصورِ، حتّى لو لم يكنْ طرفاً في تلكَ العلاقة.

تتوزّعُ القصائدُ بينَ التصريحِ بالعشقِ المطلق، كالقصيدةِ التي تبدأُ بـ "بحبك قولتها في سري وأقولها لك بعلو الصوت"، وبينَ نوباتِ الشكّ والخوفِ من الزوال، كما في المقطوعاتِ التي تحملُ عنوانَ "ماتصدقيش"، حيثُ يَظهرُ الإنكارُ كآليةٍ دفاعيةٍ أمامَ احتمالِ انتهاءِ الحلم. هذا التذبذبُ العاطفيّ، بينَ اليقينِ والريبةِ، منحَ الديوانَ صدقاً انفعالياً نادراً؛ لأنه لم يصادرْ التناقضَ الإنسانيّ، بل جعلَ منه بؤرةً للقصيدة.

من جهةٍ أخرى، لا تخلو المجموعةُ من لحظاتِ انكسارٍ وانهزامٍ صريح، تصلُ فيها الجرأةُ إلى حدِّ الاعترافِ بالعجز، كما في المقطعِ الذي يقولُ "أنا مش قادر أبعتلك يا حلوو رسالة"، حيثُ يُعلنُ الشاعرُ فشلَ اللغةِ ذاتها في التعبير. هذا الوعيُ بحدودِ الكلامِ هو الذي يمنحُ النصوصَ طابعاً تأمّليّاً، إذ تتحوّلُ القصيدةُ أحياناً إلى ميتا-نصٍّ يتأمّلُ صعوبةَ الكتابةِ عن الحبِّ، في إشارةٍ إلى أنّ المشاعرَ الأعمقَ قد تبقى أسيرةَ الصمتِ رغْمَ كلِّ المحاولات.

أمّا على مستوى البناءِ الشعريّ، فيميلُ كراويه إلى التكرارِ كأداةٍ إيقاعيةٍ وبلاغيةٍ، ليس فقط للإلحاحِ على الفكرةِ، بل لخلقِ حالةٍ من التّأجيجِ الانفعاليّ الذي يشبهُ الترانيمَ العاطفيةَ. وفي هذا السياق، تأتي الفواصلُ والجُملُ القصيرةُ كأنفاسٍ متقطّعة، تحاكي خفقاتِ القلبِ أو دموعَ العيون، فتُشركُ القارئَ في حالةِ "الوجعِ الجميل" الذي يَصِفُه الشاعرُ في أكثرِ من موضع.

لكن ثمّةَ سؤالاً يلوحُ في الخلفية: إلى أيِّ مدى ينجحُ هذا الديوانُ في تجاوزِ المألوفِ في شعرِ العاميّةِ العاطفيّ؟ ربّما تكونُ الإجابةُ في نبرتِه الصادقةِ، التي لا تتعمّدُ الصدمةَ أو الابتكارَ الشكليّ، بل تُرهنُ نفسَها لصدقِ اللحظةِ العاطفية، حتّى لو أدّى ذلك إلى الوقوعِ في فخِّ التكرارِ أحياناً. ومع ذلك، يظلُّ "حظي من السما" شاهداً على قدرةِ العاميةِ المصريةِ على التعبيرِ عن أقصى حالاتِ العشقِ والوجد، بأسلوبٍ يصلُ إلى القلوبِ قبلَ أن يمرَّ على العقول، وهذا، في النهاية، هو ما يجعله متعةً خالصةً لعشّاقِ الكلمةِ المرهفة.