مشكاتي تنزف عشقا

تنبض المشكاةُ عشقًا، لا بالزيتِ والفتيل، بل بدمٍ يتشققُ على جدرانِ الروح. هاهنا، لا تقفُ الكلماتُ على أطلالِ الحكمةِ القديمةِ، ولا تتقوّلُ بلهجةِ العجمِ الغريبة. هذا نبضٌ أصيل، ينسجهُ الشاعرُ من خيوطِ الشوقِ والألم، نسجًا يعكسُ فيضَ المشاعرِ على قدرِ الحبِ وربما ما يفوقه. تتخبطُ الحروفُ في دروبٍ شرقيةٍ وغربية، تبحثُ عن قيمٍ تصدمها حروبُ الفتنِ وصراعاتُ الأمم. يمسكُ اليدُ القلبَ، وفي صوتٍ تضرّعٍ يرجو واهبَ النعمِ خلاصًا لمُغرَمٍ صادقِ الكلم، يسعى لرفعِ مَذلّةِ الهونِ عن كاهلِ أمةٍ، ليشيعَ فيها نسماتِ العزِّ ونخوةَ الهِمَم. هنا، لا تُقاسُ السنونُ بأرقامٍ جافة، بل بشغفٍ يسري في ربيعِ العمرِ وخريفه، كفراشةٍ ترتشفُ من الوردِ أو كنوارسَ تأخذُ من البحرِ عبيرا، شغفٌ لا نظيرَ له في حياة. مشكاتي تنزف عشقا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEieczbJ4OPqfl0fPXehvBVTHR8YihFbNEVShPLbxXQs5XIWiGxWXT935bLQ9P-fIMHKXrnUH1fKskm3FJZXcelSW52wETMP0EXN0OoFhFURWFh7wZ0QEzWKiUha6Drzm_R93Gb_7dT0E2wZWcl_4Qie00d7LaDJLe7hiDlJ9I4D3aoTRV2aNdA1hSBlXq4/s320/384.jpg

تنبض المشكاةُ عشقًا، لا بالزيتِ والفتيل، بل بدمٍ يتشققُ على جدرانِ الروح. هاهنا، لا تقفُ الكلماتُ على أطلالِ الحكمةِ القديمةِ، ولا تتقوّلُ بلهجةِ العجمِ الغريبة. هذا نبضٌ أصيل، ينسجهُ الشاعرُ من خيوطِ الشوقِ والألم، نسجًا يعكسُ فيضَ المشاعرِ على قدرِ الحبِ وربما ما يفوقه. تتخبطُ الحروفُ في دروبٍ شرقيةٍ وغربية، تبحثُ عن قيمٍ تصدمها حروبُ الفتنِ وصراعاتُ الأمم. يمسكُ اليدُ القلبَ، وفي صوتٍ تضرّعٍ يرجو واهبَ النعمِ خلاصًا لمُغرَمٍ صادقِ الكلم، يسعى لرفعِ مَذلّةِ الهونِ عن كاهلِ أمةٍ، ليشيعَ فيها نسماتِ العزِّ ونخوةَ الهِمَم. هنا، لا تُقاسُ السنونُ بأرقامٍ جافة، بل بشغفٍ يسري في ربيعِ العمرِ وخريفه، كفراشةٍ ترتشفُ من الوردِ أو كنوارسَ تأخذُ من البحرِ عبيرا، شغفٌ لا نظيرَ له في حياة.

مشكاتي تنزف عشقا شعر- جيب 384 80 يناير 2020 yes 201091985809 البشير بلفقيه كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhdXSqzawgLekbTej6W_6dHwnD_eGScXmzpeE11pvryknoM7h2gAz-B-xorOvZ2hWXU6Bd8EAnUnJsx_1R1tcPcu4bk1YG4hEOr_U1cT_Lk7jq1gDf95BsATlvTPEwz7U0IAvOo5Dv2prtb_IxGRpkO6EmsjMO3fDYWC9UY5cEYRCBxARV2IG3iQ-0SjZI/s295/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D9%84%D9%81%D9%82%D9%8A%D9%87.jpg

بشير بلفقيه في ديوانه "مشكاتي تنزف عشقاً" لا يكتب الشعر بوصفه ترفاً لغوياً، بل يقطره من وريد المعاناة وسهد الليالي، كأنه يستعيد جذوة "أبي القاسم الشابي" حين كان يجعل من شعره صرخةً في وجه العدم. تبدأ الرحلة من المشكاة، هذا الوعاء الذي يحمل الضوء لكنه عند الشاعر لا ينضح بالزيت، بل ينزف عاطفةً حارقة تتأرجح بين صبوات الشباب وحكمة الشيب. هو يعلن صراحةً منذ الاستهلال أنه لا يقف على أطلال بالية ولا تستهويه أعجمية المعنى، بل يغرس قدميه في طين الواقع العربي، شاداً رحاله نحو "رياض عبقر" حيث الأحلام تترنح والأقلام تتأوه. القارئ يجد نفسه أمام تجربة إنسانية تقف على تخوم الفقد، حيث الحروف تُنسج من نبض الدم، وحيث الشوق والألم يتبادلان الأدوار في مسرحية الروح التي تهيم شرقاً وغرباً بحثاً عن قيمٍ أضاعها ضجيج الفتن وصراعات الأمم المتلاحقة.

تتحول القصيدة عند بلفقيه إلى صلاة مُتضرعة، يضع فيها كفه على قلبه سائلاً واهب النعم أن ينقذ لغته وصادق كلمه من الانحدار نحو الهون. هو يسعى بيقين العارف إلى رفع مذلة اليأس عن كاهل أمة أثقلتها الندوب، فيحاول بث نسمات العزة ونخوة الهمم في فضاءات كادت أن تخنقها الأدخنة. الحب في هذا الديوان ليس حالةً عابرة، بل هو شغف سرمدي لا يعترف بتقويم الزمن؛ فالعشق يرافقه وهو شاب غرير ويربض في صدره وهو شيخ كبير. تتجلى في نصوصه صورة الفراشات التي ترشف رحيق الورد في ربيع العمر، لتقابلها صورة النوارس التي تستنشق عبير البحر في خريف العمر، وكأن الشاعر يرى في الحب الخيط الوحيد الذي يربط فصول الإنسان المبعثرة.

هناك حضور طاغٍ للمرأة بوصفها رمزاً للنور والجمال المطلق، تلك التي يغرق في غرامها المحب حتى يُسرق الكرى من عينيه، فتصبح هي اليقظة وهي الحرق والمبتغى. لكن هذا العشق لا يلبث أن يصطدم بجدران الصد، حيث تبدو المليحة لاهية، ورضاها عصي على التحقق، مما يفتح الباب أمام تساؤلات الوجود الكبرى. ينتقل بنا بلفقيه إلى ضفاف النسيان، حيث الأجنحة مكسرة والأشرعة مهترئة، هناك حيث يقاوم المرء غواية الموج التي تحاول طمس شعلة الإيمان. تفيض هذه المساحة برائحة الفقدان؛ فقدان الأمكنة والأزمنة، وحتى فقدان تلك الفتية والأفكار التي تمردت يوماً على قضبان السجون وسلطة السجان، ليبقى الشاعر وحيداً على رمال الذاكرة يلملم أصداف ما كان.

البحث عن "مدن النور" هو الثيمة التي تشكل العمود الفقري للديوان، فهي مدن تترفع عن سطوة الصور والألوان الزائفة، وتتكسر على بلورها شلالات الأشجان لتفسح المجال لنغمات تشبه تسبيحة الناسك. الشاعر يصبو إلى حياة تكون روعتها في عزة النفس وعزة الأوطان، حيث الأبواب مشرعة للأحرار ولتراتيل القرآن، ولأولئك الكادحين الذين يخرجون من "قمقم سليمان" بلا صولجان، طالبين الأنس في زمن الوحشة. هي دعوة صريحة لكي يطفو القلب فوق أحزان البشر، ولكي تخبو ألسنة النيران التي تلتهم الهوية والروح بضراوة.

يصل بلفقيه إلى ذروة مكاشفته حين يعترف بتعبه، وهو تعب الصوفيين الذين أرهقهم السفر في ملكوت الفكرة. يتساءل بمرارة عن وجهة راحلته وهدف رحلته، واصفاً الليالي بأنها تضاجع حيرته في طريق وعر لا ينتهي. هذا التعب ليس استسلاماً، بل هو إرهاق النبل؛ تعبٌ من هموم الرحلة، ومن دروب الرغبة، ومن جنون الفكرة التي ترفض الانصياع للواقع المر. إن "مشكاتي تنزف عشقاً" هو نص متدفق كالنهر، يحمل في طياته أسرار الملكوت وقرة العين، ويحاول أن يجد بداية جديدة لكل أم، ونهاية تليق بكرامة الإنسان. هو ديوان يرفض أن يكون مجرد كلمات مرصوفة، بل يطمح أن يكون "شعلة توأم" لروح القارئ، ممتداً من غابة الزيتون إلى سفوح القمر، في محاولة يائسة وشجاعة لإعادة صياغة العالم بالحب والحرف وحدهما.