وجع الذاكرة

تفتحُ عينيكَ على ضوء الفجرِ الباهت، وصوتُ الأذانِ ينسابُ كوشاحٍ فضيٍّ عبرَ أزقةِ المدينةِ النائمة. لكنّ هذا الصباحَ ليسَ ككلّ صباح. في غرفةٍ تُضيئها روائحُ البخورِ ودموعُ الدعاءِ، تستيقظُ روحٌ لتُوقظَ أرواحًا أخرى. الأمُّ، الحاجةُ سماح، تُنادي أبناءها، علياءُ المُنهمكةُ في دروسِها، حمزةُ وهشامُ الغارقانُ في سُباتٍ عميق. صورةٌ عائليةٌ تُعلّقُ على الجدار، بملابسِ الإحرامِ أمامَ الكعبة، ابتسامةٌ باهتةٌ تراودُ علياءَ وهي تستعدُّ لصلاةِ الفجر. وفجأة، يقطعُ الصمتَ صوتُ ارتطامٍ وصَرخةٌ مكتومةٌ تأتي من الحمام، لتُعلنَ بدايةَ فصلٍ جديد، فصلٌ تُقلبُ فيهِ الأقدارُ أوراقَ الحياةِ بلا رحمة. حافلةٌ تسيرُ في ظلمةِ الليل، سائقٌ غائبٌ عن الوعي، وركابٌ يصارعون النومَ والخوف. في الخلف، اثنتانِ تُودّعانِ الحياةَ قبلَ أن تصلَ إليها، غادةُ وعائشة، تتشاركانِ آخرَ لحظاتِهما، سلسلةٌ مُنحتْ كوصيةٍ أخيرة، ودعاءٌ يترددُ كصدىً لروحٍ تبحثُ عن غفران. ثمّ صدمةٌ عنيفة، انقلابٌ، وهدوءٌ مُخيفٌ يلفُّ ما تبقّى من ركابٍ وجسدٍ مُبعثر. وفي عيادةٍ طبية، تُصارعُ سماحُ قرارًا ينبغي أن يُعيدَ لها الحياةَ أو يُفقدَها الأملَ في المستقبل. وجع الذاكرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj0fI2rjO5WdF954WHaZTcwpNmhkYRMxx2tPkJoyxFlTpK6cnpTBY0VapFwdWF_KncPN5y-573toi-g4ZtOPGhiqP4JbKriU93inyS_pYQ7FsD9SExqhqfubcMdIpA-cdgtWaL1ne0GeswMm4gGTBNKLu7Kt_Jnknv_8cKI6464AzsKLyvyB7Mby9-abKA/s320/415.jpg

تفتحُ عينيكَ على ضوء الفجرِ الباهت، وصوتُ الأذانِ ينسابُ كوشاحٍ فضيٍّ عبرَ أزقةِ المدينةِ النائمة. لكنّ هذا الصباحَ ليسَ ككلّ صباح. في غرفةٍ تُضيئها روائحُ البخورِ ودموعُ الدعاءِ، تستيقظُ روحٌ لتُوقظَ أرواحًا أخرى. الأمُّ، الحاجةُ سماح، تُنادي أبناءها، علياءُ المُنهمكةُ في دروسِها، حمزةُ وهشامُ الغارقانُ في سُباتٍ عميق. صورةٌ عائليةٌ تُعلّقُ على الجدار، بملابسِ الإحرامِ أمامَ الكعبة، ابتسامةٌ باهتةٌ تراودُ علياءَ وهي تستعدُّ لصلاةِ الفجر. وفجأة، يقطعُ الصمتَ صوتُ ارتطامٍ وصَرخةٌ مكتومةٌ تأتي من الحمام، لتُعلنَ بدايةَ فصلٍ جديد، فصلٌ تُقلبُ فيهِ الأقدارُ أوراقَ الحياةِ بلا رحمة. حافلةٌ تسيرُ في ظلمةِ الليل، سائقٌ غائبٌ عن الوعي، وركابٌ يصارعون النومَ والخوف. في الخلف، اثنتانِ تُودّعانِ الحياةَ قبلَ أن تصلَ إليها، غادةُ وعائشة، تتشاركانِ آخرَ لحظاتِهما، سلسلةٌ مُنحتْ كوصيةٍ أخيرة، ودعاءٌ يترددُ كصدىً لروحٍ تبحثُ عن غفران. ثمّ صدمةٌ عنيفة، انقلابٌ، وهدوءٌ مُخيفٌ يلفُّ ما تبقّى من ركابٍ وجسدٍ مُبعثر. وفي عيادةٍ طبية، تُصارعُ سماحُ قرارًا ينبغي أن يُعيدَ لها الحياةَ أو يُفقدَها الأملَ في المستقبل.

وجع الذاكرة رواية 415 184 مارس 2020 yes 201091985809 تغريد مصباح كاتبة فلسطينية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgDTH_jcAkaBXZN8Up0j-BbEcgjl91FvizHeH9q-Kwraxrrdm_tDZ0fgVgo2bb1kjes4OKgoEMcHAN9QcXONKsP0OjSTVnwaAPOUgOA006vcbH3h5gKHq2NzWwLii9bOzsEUZkHPWGSr5fmscq3fj-511WT_Q0i1g9baPXOE6xuajEw77YVtG3dwTvOsHA/s295/%D8%AA%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%B5%D8%A8%D8%A7%D8%AD.jpg

صوت الفجر يرن في الآذان، ينساب من المآذن ليوقظ العالم على خيوط الصباح الأولى. الحاجة سماح، روحانية في جوف الليل، تتلو القرآن وتبتهل، تخرج من غرفتها لتطرق أبواب زوجه هشام وابنه حمزة وابنته علياء. علياء، تلك الفتاة التي لا يزال وهج الدروس يخيم على عينيها، تلمح صور عائلتها أمام الكعبة، لحظة استقرار قبل أن يختطف السكون لياليهن. صوت أقدام والدتها ينساب نحو الحمام، ثم صرخة مكتومة، أنين يتبعه سكون مفاجئ، يمزق صمت البداية.

في رحلة أخرى، يرتجف الركاب في حافلة تسير على غير هدى. السائق غارق في حلم كأنه مخدّر، لا يلوي على صياح أحد أو أنين، بينما الغفوة تلتف حول مساعده. عائشة، تحاول أن تبدو قوية، تلوذ بالدعاء، بينما غادة، ببرود غامض، ترى في الفاجعة قدرًا مرتقبًا. "شفتي كلامي صح؟"، تسأل غادة، مشيرة إلى سيجارة السائق المخدرة. "إيه البرود ده؟ هنموت!"، ترد عائشة. "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، تجيب غادة، عيناها تلمعان بدموع هستيرية، تخلع قلادتها وتضعها في عنق عائشة، "افتكريني واطلبلي الرحمة". عناق أخير، ثم ارتطام يصم الآذان، الحافلة تتقلب كأنها ورقة خريف، لتستقر في صحراء الرمال، هامدة.

بين هذه الومضات، يطوي هشام وسماح طريق العودة نحو الشقة، دموعها تحرق خديها. صمتهما كسيف مسلول، يتخوفان من مواجهة قادمة. "ليه عايز تحرمني من الخلف؟"، تنفجر سماح باكية. "وأنتِ ليه عايزة تحرميني منك؟"، يرد هشام، وقلبه ينقبض. "إيه فايدة حياتي وهي فارغة؟". يضمها إلى صدره، "أنا أهلك وولدك، أنا دنيتك". لكن إصرار سماح على مواجهة ماضيها، وعلى حرمان هشام من حلمه بالأبوة، خلق جداراً من الحزن المستمر. يتشبث هشام بها، "أنا بدونه سأموت"، بينما تترجى سماح الله أن يمن عليها بالنجاة، أن يبقيهما معاً، وأن يرزقهما الذرية الصالحة.

تنساب الأيام، تتوالى الأحداث، لتنسج رواية "وجع الذاكرة" خيوطها المعقدة حول شخصيات تتصارع مع أقدارها. تظهر علياء، التي تخلت عن أحلام الدراسة أمام شاشة هاتفها، لترسم البدايات، بينما تختتم مشهد الحافلة بجسد هامدة على الرمال. تتبدى سماح، الأم الحنون، ثم الزوجة التي تخشى الماضي، تتجاذب أطراف الحديث مع هشام في صراع مرير حول المستقبل. وتبرز غادة، بشيء من العبثية، كمن ينظر إلى الموت بعين الفيلسوف، محاولة استخلاص دروس من لحظات الوداع الأخيرة. الرواية، ككل أعمال تغريد مصباح، لا تسرد حكاية بقدر ما ترسم لوحات إنسانية، تتشابك فيها مشاعر الألم والأمل، الحزن والرجاء، في نسج متقن، يلامس وتر الذاكرة الجريح، ويترك القارئ معلقاً بين الحقيقة والخيال، متأملاً في هشاشة الوجود وجمال الروح في أشد لحظاتها انكساراً.