جدار الذكرة

تخرجتُ من الجامعة، واحتفلتُ مع الأصدقاء، نسير في شوارع المدينة، كلٌ يحلم بمستقبله. كان يومًا بهيجًا، لم يعكّره سوى علمي بأنني راسب في مادة. لم أرد أن أخبر عائلتي، خاصة أمي، كي لا أحزنها. لم يكن رسوبي بسبب إهمالي، بل بسبب دكتور جديد يفرض علينا شراء كتابه. "من لا يشتري كتابي، يرسب في امتحاني." قال بلهجة ساخرة، وكأنه تاجر علم. هذه الكتب، هي مجرد تجميع لفصول من هنا وهناك، قص ولصق، وأخطاء لغوية وإملائية. إنها صفقة بين الدكتور ومكتبة الجامعة، تشتري الكتاب تحصل على كارت يضمن لك النجاح. في أحد الأيام، حضر رجل مسن، كان بالكاد يتحرك. استقبله الدكتور بابتسامة، وسأله عن اسمه. "ميت، من قال ميت؟" أجاب الطبيب. كان المريض من عزبة تتبع الجعافرة. "عثمان يا دكتور." قال الرجل. "تعرف الشيخ باسط؟" سأل الدكتور. "آه المأذون." أجاب. "قل له الدكتور يطلب منك عروسة 'بنت بنوت' لأبي." أمر الدكتور، وقد امتلك نفسه بصعوبة لئلا ينفجر. جدار الذكرة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgxAZPzptn3zBFJOjTYnPJLNzy_85LP7HeW5drUok3hiQj7R_I8c0pGaM05JC1K5KGUbeMKImZOy8zARUHp4HndOKPSd4j_PgExpTFNyKiWi8BS1XQKe42vpm0KDY8cxafsBEFgqU5crGSZx6SQNJS5jVVzAHprMk20lXqF4sC2-2tEIfG9KNtHp1GC4f8/s320/440.jpg

تخرجتُ من الجامعة، واحتفلتُ مع الأصدقاء، نسير في شوارع المدينة، كلٌ يحلم بمستقبله. كان يومًا بهيجًا، لم يعكّره سوى علمي بأنني راسب في مادة. لم أرد أن أخبر عائلتي، خاصة أمي، كي لا أحزنها. لم يكن رسوبي بسبب إهمالي، بل بسبب دكتور جديد يفرض علينا شراء كتابه. "من لا يشتري كتابي، يرسب في امتحاني." قال بلهجة ساخرة، وكأنه تاجر علم. هذه الكتب، هي مجرد تجميع لفصول من هنا وهناك، قص ولصق، وأخطاء لغوية وإملائية. إنها صفقة بين الدكتور ومكتبة الجامعة، تشتري الكتاب تحصل على كارت يضمن لك النجاح.

في أحد الأيام، حضر رجل مسن، كان بالكاد يتحرك. استقبله الدكتور بابتسامة، وسأله عن اسمه. "ميت، من قال ميت؟" أجاب الطبيب. كان المريض من عزبة تتبع الجعافرة. "عثمان يا دكتور." قال الرجل. "تعرف الشيخ باسط؟" سأل الدكتور. "آه المأذون." أجاب. "قل له الدكتور يطلب منك عروسة 'بنت بنوت' لأبي." أمر الدكتور، وقد امتلك نفسه بصعوبة لئلا ينفجر.

جدار الذكرة رواية 440 104 يوليو 2020 yes 201091985809 عيد رمضان كامل كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh-2EhMpQe_xcIy-TRtNcmlP1nik4KKYsjdnvoYXuWptEpCUJi-zdYtm5VR42deE3tuy1Oj8_wOEn2oAFCpz1uHnDb1VwjSSDyCsxk3yByq8bn3FuD10v4RxhzwaisLVvafi4WUa1nym3SnE-IwV_vBj8rNaObe4VWrFxVAsSSZa_U7mK8zqWYB1jff5y4/s800/%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86-%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84.jpg

احتفلت الجامعة بتخرج دفعة جديدة، وزينت الشوارع بضحكات الشباب وطموحاتهم. كان يومًا مشرقًا، يعبق بالتفاؤل بمستقبل واعد، وإن شابته غصة الفراق القادم. لكن خلف هذا المشهد البهيج، كان بطلنا يحمل سرًا ثقيلاً؛ رسوبه في مادة دراسية، سرٌ لم يبح به إلا لاثنين من أصدقائه. لم يكن الفشل ناتجًا عن تقصير في المذاكرة، بل عن صراع مع أستاذ جامعي جديد، يفرض على طلابه شراء كتابه بلهجة ساخرة، مهددًا بالرسوب لمن يعصي أمره. هذا الأستاذ، الذي سبق له أن رفضت جامعته رسالته للدكتوراه مرارًا، رأى في الكتاب وسيلة للربح، لا لنشر العلم.

تتألف هذه الكتب الجامعية، كما يصفها بطلنا، من تجميع لفصول من هنا وهناك، واقتباسات من رسائل ماجستير ودكتوراه، وأجزاء من كتب مترجمة، كلها تُقدم في قالب رديء الإخراج، مليء بالأخطاء الإملائية واللغوية. وقد يصل الأمر إلى اتفاق بين الأستاذ ومكتبة قريبة، يمنح من يشتري الكتاب بطاقة ملونة تضمن له النجاح، حتى أن البعض كان يكتفي بالبطاقة دون الكتاب.

لكن القصة لا تقف عند حدود الجامعة. تتكشف فصول أخرى عن رجل مسن، يعاني من مرض عضدي، ورغم يأسه، يجد بصيص أمل في طبيب غريب الأطوار. هذا الطبيب، الذي يصفه البعض بالدجال، يقدم له علاجًا بسيطًا، قرص كل ست ساعات، ويعده بالشفاء. المفاجأة كانت أن الرجل المسن، الذي ظن الجميع أنه يحتضر، استعاد عافيته، بل وأصبح كبيراً لعزبة كاملة، احتفلت به وبطبيبه الذي اعتقدوا أنه أعاده من الموت.

تتوالى الحكايات عن هذا الطبيب، الذي يمتلك قدرة خارقة على شفاء المرضى. يزور بقالًا فقد ابنه القدرة على الحركة، فيعيده إلى المشي والعمل، ويشهد شاب أنه رآه يلعب الكرة. وتتحدث النساء عن امرأة استعادت بصرها بعد أن أصيبت بالعمى إثر شجار مع زوجها المدمن، فكان الشفاء على يد هذا الطبيب، الذي ساهم في إصلاح حال الزوج وإعادته للحياة. يتوافد الناس على عيادته، بالمئات يوميًا، ليجدوا لديه الأمل والعلاج، تاركًا له دخلًا يكفي لدعم مشروعه.

في جانب آخر من الرواية، تظهر قصة امرأة، عاشت أميرة في بيت أبيها، ثم وجدت نفسها في ظروف قاسية بعد الزواج. اضطرت للعمل في جمع "الجلّة" وبيع الدجاج والبيض، حتى أنها كانت تنام أحيانًا بلا عشاء لتوفير ثمن المواصلات. أنجبت طفلين، أحدهما سمته أحمد تبركًا بآية قرآنية، والآخر محمود تيمناً بآية أخرى. ورغم قسوة الحياة، لم تفقد الأمل. عندما علمت بحملها الثالث، شعرت بالحزن، لكنها قررت مواجهة مصيرها.

توسط تاجر بينها وبين والدها، وتم الاتفاق على عودتها إليه. منحها والدها قطعة أرض لتبني عليها بيتًا، وقرضًا للبناء. انتقلت إلى منزلها الجديد، الذي وصفته بتفاصيله الدقيقة: البوابة الخشبية العتيقة، الدهليز الواسع، الغرف المريحة، دار الحيوانات، الشبابيك الكبيرة، والسطح الذي كان مركز الحياة، للتربية والخبز وتصنيع الألبان، باردًا في الصيف ودافئًا في الشتاء.

لكن القدر كان له كلمة أخرى. بعد ثلاث سنوات، مات الأب، ولم تتحمل الأم الحياة بدونه، فلحقت به بعد أسبوعين. كانت الابنة تشهد على حزن أمها، وهي تمسح دمعة بصعوبة، مدركة أن الحياة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها لحظات من الجمال والأمل، وأن الذكرى تبقى خالدة كجدار لا ينهدم.