مارا - بنت من الغجر

غجرية تُخطف من حضن أمها في زحام مولد السيد البدوي، لتنشأ في عالم الموالد والأفراح، راقصة ومغنية. خمس زيجات عرفية قبل أن تبلغ العشرين، كل منها كابوس يخلف ندوباً أعمق من سابقه. بين حي غربال الفقير وشقة محرم بك الأنيقة، بين صراعات الفلاحين ودهاليز السياسة، يروي سعد أبو بكر حكاية "مارا" التي تبحث عن هويتها وسط رمال مصر المتقلبة. رواية ترصد تقاطع المقدس والمدنس في المجتمع المصري، من موالد الأولياء إلى حيل السماسرة، ومن أحلام الفلاح البسيط إلى صراعات المثقفين. قصة تطرح سؤالاً واحداً بإلحاح: كم ثمناً يدفع الإنسان ليكون له مكان تحت الشمس؟ وما الذي يبقى منا حين تُسلب منا أسماؤنا، وتُخطف منا هوياتنا، وتُترك حفنة من رماد وغبار؟ مارا - بنت من الغجر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg55gYbzFXOnrIsjx1Om-s4VEcMZCfHoxTSRDEV3TrbYeh-hk2o3Wt5XRWWYPc-DmeLCWtUmIDQYWmnV3-IVLc_p_QipxT-TX6UGL6F_tiSa5cgMH9AxLr22d_BC9e2Fs8fHEK3Y9Dh3HZTnKxb2LCrfyp72XZP6l2MhhHdaYTItcrbIquU6du1zemAjNg/s320/636.jpg

غجرية تُخطف من حضن أمها في زحام مولد السيد البدوي، لتنشأ في عالم الموالد والأفراح، راقصة ومغنية. خمس زيجات عرفية قبل أن تبلغ العشرين، كل منها كابوس يخلف ندوباً أعمق من سابقه. بين حي غربال الفقير وشقة محرم بك الأنيقة، بين صراعات الفلاحين ودهاليز السياسة، يروي سعد أبو بكر حكاية "مارا" التي تبحث عن هويتها وسط رمال مصر المتقلبة. رواية ترصد تقاطع المقدس والمدنس في المجتمع المصري، من موالد الأولياء إلى حيل السماسرة، ومن أحلام الفلاح البسيط إلى صراعات المثقفين. قصة تطرح سؤالاً واحداً بإلحاح: كم ثمناً يدفع الإنسان ليكون له مكان تحت الشمس؟ وما الذي يبقى منا حين تُسلب منا أسماؤنا، وتُخطف منا هوياتنا، وتُترك حفنة من رماد وغبار؟

مارا - بنت من الغجر رواية 636 196 ديسمبر 2021 yes 201091985809 سعد أبو بكر كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhG-KQdx1dCgRupZuWHAX_2peQm2zy5b6NNKdHe1mDsZbQr5rCJt3Vmjil8CY6iCjwzblcUOw1ve-_dxovwVSFKPLKfttbUR_yVfxLyo4VxSs-i7cAY66W7RCbeol76Dro32qv48AFitD0r0WAIrW3BzpPVadzIHtjO9L9A_4CMCE3VGgzGyuJaYFMijHY/s800/%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A8%D9%83%D8%B1.jpg

رواية "مارا" عمل سردي يأخذ القارئ في رحلة عرضية عميقة داخل المجتمع المصري بطبقاته المختلفة، من خلال حكاية فتاة غجرية تتعرض للخطف وهي رضيعة، لتعيش حياة متنقلة بين الموالد والأفراح. ينطلق السرد من وصف تفصيلي لظاهرة الموالد في مصر، تلك الاحتفالات التي تمتزج فيها الروحانية بالتجارة، وتصبح فضاءً للترفيه واستغلال الفقراء على حد سواء. وهنا تكمن المفارقة المركزية في الرواية، إذ يتحول فضاء القداسة والتبرك إلى ساحة لجرائم الاختفاء والاتجار بالبشر.

يمضي الكاتب في بناء عالمين متوازيين، يلتقيان عند نقطة الخطف. عالم الفلاحين في طنطا، ممثلاً بعائلة الحاج محروس التي تعمل في الأرض وتؤمن بالقيم التقليدية، وعالم الغجر المتجول الذي تسكنه المخيمات والخيام ويعج بالأساطير والخرافات. ومن هنا، يشتغل السرد على فكرة التضاد بين الاستقرار والترحال، بين الانتماء والضياع، بين الجذر الريفي والامتداد الصحراوي. بيد أن هذه الثنائيات سرعان ما تنهار، لتكشف عن وحدة المصير الإنساني في مواجهة القسوة والاستغلال.

شخصية مارا/نسرين تمثل محور الرواية ومرآتها. فهي الضحية التي تتحول، دون إرادتها، إلى أداة للكسب في يد زوج أمها غازي، السكير المتلاعب، وأمها بالتبني ليلى التي عرفت طريقها إلى البقاء. خمس زيجات عرفية تتعاقب عليها، كل منها تمثل حلقة جديدة من معاناتها مع اضطرابات نفسية مختلفة لدى أزواجها. ومن ثم، تتحول الرواية إلى استكشاف لأنماط الانحراف النفسي والاجتماعي، وكيف تتحول النساء إلى سلع في سوق غير مرئي، يحكمه السماسرة وأصحاب النفوذ. غير أن السرد لا يكتفي بعرض المأساة، بل يحاول تتبع أثرها في الحياة اللاحقة، حيث تدخل مارا عالم الإدمان كمحاولة يائسة للهروب من واقعها المرير.

في المقابل، ينسج الكاتب حياة عوض، شقيق مارا الحقيقي، الذي يكبر في كنف أمه صفاء، ويتحول إلى مثقف وروائي ينتمي لعالم الصحافة والكتابة. ومن هنا، تتشابك خيوط الرواية مع الواقع السياسي المصري، من خلال شخصيات تتحرك في فضاء الحزب والجريدة، مثل الأستاذ مخلص وصاحب الجريدة، وصولاً إلى نقاشات حول الحرية والديمقراطية وصراع السلطة. إذ تقدم الرواية مشهداً نقدياً للواقع السياسي، وتطرح أسئلة حول الإعلام كسلطة مضادة أو كأداة في يد السلطة ذاتها، فضلاً عن دور النخبة المثقفة في المشهد العام.

اللغة الروائية لدى سعد أبو بكر تتسم بالبساطة والتصوير الواقعي، مع ميل للغة العامية المصرية في حوارات الشخصيات، مما يضفي على النص حيوية وقرباً من المتلقي. غير أن السرد لا يخلو من تقلبات، فهو ينتقل بين الأزمنة والأمكنة بسلاسة، ممسكاً بخيوط الحكاية المتشابكة. وفي الوقت نفسه، يظهر اهتمام الكاتب بالتفاصيل الاجتماعية والطقوسية، من وصف المسكن الريفي إلى تفاصيل الموالد والملابس والأوشام، لدرجة تجعل النص وثيقة أنثروبولوجية موازية للعمل الروائي.

على هذا الأساس، يمكن قراءة "مارا" كرواية عن التهميش والبحث عن الهوية، لكنها أيضاً رواية عن الذنب والمسؤولية. فصفاء، الأم الحقيقية، تحمل وزر الخطف الذي تسبب فيه إيمانها المفرط بالخرافات، وتظل عقوداً تبحث عن ابنتها في صمت. بينما في الجانب الآخر، تتبنى مارا طقوس الغجر وتصبح جزءاً من ثقافتهم، دون أن تمحو بصمتها الريفية الأصلية التي تظهر في الوشم الفلاحي على وجهها. ذلك الوشم، الذي يمثل العلامة الوحيدة التي ستعيدها إلى عائلتها، يتحول إلى رمز للتشظي الهوياتي الذي تعاني منه الشخصية الأساسية في العمل.