اتجاه إجباري

تضرب أمواج الحياة الهادئة قارباً يبحر فيه رجل، لا ليحط رحاله على شاطئ يشتهيه، بل حيث يفرض القدر وجهته. فيغمر اليأس الروح حتى تظن أن الأمل قد استنفد نبضه، حتى يلوح من بعيد شاطئ يبدو جنة غناء. نلقي الأحمال، نستريح، لكن ما إن تنجلي غشاوة الإرهاق حتى نرى الحقيقة: ليست جنة، بل طريقٌ تتشابك فيه الورود والأشواك. نسحب إلى عرض البحر مجدداً، نستأنف الرحلة ولا ندري إن كانت الأمواج طبيعية أم صُنعت، وهل وجود القارب صدفة أم تدبير؟ ينتهي بنا المطاف في اتجاه إجباري، ونحن لا ندري هل ما زلنا نمتلك زمام أمرنا، أم استسلمنا لسلطة خفية تحركنا كدمى على مسرح قدر. اتجاه إجباري
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiVUEmMTW4IQUewpqj3IMy2gCNJw-Ml2gaflaQS0F0q1YIv1K4moAFsVFIasTylhChTkRaFTDJYnvTE561ws_DtiNMk9_qHi_1kSza5iIOQOsGrIIBYQHmloyee-KjJm8Gp10LVWpZoYywrNq9_AH_3PZJq-lmhm0k34pKtACk5QNYRtjq1YnEG7MzPwbk/s320/318.jpg

تضرب أمواج الحياة الهادئة قارباً يبحر فيه رجل، لا ليحط رحاله على شاطئ يشتهيه، بل حيث يفرض القدر وجهته. فيغمر اليأس الروح حتى تظن أن الأمل قد استنفد نبضه، حتى يلوح من بعيد شاطئ يبدو جنة غناء. نلقي الأحمال، نستريح، لكن ما إن تنجلي غشاوة الإرهاق حتى نرى الحقيقة: ليست جنة، بل طريقٌ تتشابك فيه الورود والأشواك. نسحب إلى عرض البحر مجدداً، نستأنف الرحلة ولا ندري إن كانت الأمواج طبيعية أم صُنعت، وهل وجود القارب صدفة أم تدبير؟ ينتهي بنا المطاف في اتجاه إجباري، ونحن لا ندري هل ما زلنا نمتلك زمام أمرنا، أم استسلمنا لسلطة خفية تحركنا كدمى على مسرح قدر.

اتجاه إجباري رواية 318 128 نوفمبر 2019 yes 201091985809 صبري أمين كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi0C3RzJWkInDAYFJVuF3uP4vNqAzwU0vmvUB89i5LnbzxD-23g7z3G-sNpO-AQ-Sek7t18tg7EU81XlBkUDTpSpSPpMyZlvqzrpjpSaiJgtdeFgQLzVd_esxlGt7u8nKOlK5jJJDFREzuYKWjQgl6jUw0AJK1PTwwxtotOKAfJzJnxK214NBxso_Fw8ss/s800/%D8%B5%D8%A8%D8%B1%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86.jpg

تتشابك خيوط المصير في رواية "اتجاه إجباري" لصبري أمين لتنسج قميصاً من قلق، يرتديه أبطالٌ يظنون أنهم يمسكون بزمام المبادرة، بينما هم مجرد أحجار شطرنج فوق رقعة الحياة المتقلبة. تبدأ الرواية بصرخة مكتومة في وجه العجز، حيث ندى، تلك الشابة التي تعيد تعريف الأمان في لحظة كاشفة، تقرر بتر علاقتها بخطيبها "تامر" بعد أن خذلها في اختبار الفرسان الأول. حين دهمهما الخطر، لم يرتدِ تامر ثوب البطولة بل ارتدى قناع الجبن، تاركاً إياها في مواجهة مجهولٍ كاد يبتلعها، لتدرك ندى أن الزواج ليس عقداً مدنياً بل هو ملاذٌ يحتاج إلى رجل يغار ويحمي ويستبسل، لا مجرد شريك يفر عند أول منعطف. تصف الرواية هذا الانكسار بوعي حاد، حيث ترى البطلة أن الرجل الذي لا يشعر زوجته بأنها قطعة من روحه يبذل دونها الغالي والنفيس، هو رجلٌ سقطت عنه صفة القوامة والرفقة.

تنتقل الدفة في هذا العمل الأدبي لتسلط الضوء على صراع الإنسان مع قدره، وكأنه مركبٌ صغير تتقاذفه أمواج عاتية في بحر غادر، يظن الغرّ فيه أن الهدوء أبدي، فإذا بالعاصفة تغير وجهة القارب نحو شواطئ لم تكن في الحسبان. يستحضر الكاتب هنا فلسفة "سيزيف" في مواجهة الصخرة، لكن بروح شرقية ترى في الأمل بالله نوراً يبدد ظلمات اليأس، ويرشد التائهين إلى شواطئ قد تبدو جنات غناء، لكنها تخفي في طيات ورودها أشواكاً جارحة. نرى "أحمد"، الشخصية التي تجسد الصراع بين المبدأ والحاجة، يجد نفسه متورطاً في عملية كبرى تتداخل فيها خيوط الأمن بالإجرام، حيث تمنحه الأقدار فرصة لتعويض خساراته المادية، لكنها فرصة مسمومة برائحة الدم والخطر.

تتجلى في حوارات الرواية واقعية مريرة تنتقد الصورة الذهنية للشرطة في الدراما العربية؛ فالمقدم "حسام" يمثل ذلك العقل المدبر الذي يدرك أن المؤسسات قد تُخترق، وأن الفساد قد ينبت كالأعشاب الضارة في الزوايا المظلمة. يحذر حسام أحمد من مغبة التورط أكثر، مؤكداً أن الذين يتعاملون بلغة الدم لا يغفرون، وأن النجاة الحقيقية تكمن في الانسحاب في الوقت المناسب. يتأمل أحمد في أمواله التي نالها، وكأنها سحرٌ غسل شكوكه ومسح مخاوفه، لكنه يدرك في قرارة نفسه أن السير في "اتجاه إجباري" هو قدرٌ قد لا ينتهي حتى بانتهاء الرحلة نفسها. اللغة هنا رصينة، تنسال مثل نهر هادئ تخفي أعماقه دوامات من الأسئلة الوجودية حول المصادفة والقصد، وهل نحن من نختار قواربنا أم أن هناك يداً خفية تضعنا فيها وتدفعنا نحو المجهول؟

ترسم الرواية لوحة للإنسان المعاصر الذي يحاول استعادة توازنه في عالم لا يعترف بالضعفاء، حيث تتحول المشاعر والقرارات إلى عمليات حسابية معقدة بين الربح والخسارة. ندى تبحث عن الرومانسية الممزوجة بالقوة، وأحمد يبحث عن الاستقرار الممزوج بالثراء، وكلاهما يكتشف أن الطريق ليس مفروشاً بالحرير، بل هو مسارٌ مرسوم سلفاً بمداد من القرارات الصعبة. تنتهي الحكاية ولا تنتهي التساؤلات، فالحياة عند صبري أمين تظل رحلة مستمرة، نخرج فيها من موجة لندخل في أخرى، ونستبدل قارباً بآخر، بينما يبقى اليقين الوحيد هو أننا نسير في طرقات أجبرتنا الأيام على سلوكها، محاولين قدر الإمكان أن نسعد أنفسنا بما في أيدينا، قبل أن تسحبنا الأمواج مرة أخرى إلى عرض البحر البعيد.