مُهرة شاهين

في رواية "مهرة شاهين"، تنسج الكاتبة صفا غنيم عالماً من المشاعر المتقاطعة، حيث تتداخل أصوات الخيل وصهيلها مع همسات القلوب التي تخاف أن تبوح. تحكي الرواية عن فتاة صغيرة تنشأ في عزبة صعيدية، محاطة بأبٍ طيب يمنحها الحرية، وأمٍ من طبقة أرستقراطية ترى في كل شيءٍ تهديداً لمكانتها. تنمو مهرة بين هذين العالمين المتناقضين، متشبثة بحبها للخيل وبشخصية "شاهين"، الفارس النبيل الذي يعلّمها الفروسية ويأسر قلبها دون أن ينطق بكلمة. غير أن الأيام لا تترك لهما فرصةً للاستقرار، فالماضي يحمل أسراراً ثقيلة، والحاضر يضج بمكائد وطمع، والمستقبل يخبئ مفاجآتٍ قد تغيّر كل شيء. بين الحب والانتقام، وبين الصراع الطبقي وثورات القلوب، تبقى مهرة رغم كل شيء، شامخةً كاسمها، تحارب كي تكتب نهايةً تليق بحلمها. رواية تترك في النفس رنيناً طويلاً، مثل صهيل حصانٍ يقطع صمت الليل. مُهرة شاهين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg6EBwUAb2WXqPgSCgUrdk-Kp4aSu2GRLj2YfP_Z3QdWzUv5v-bubOX1sm9eMm1CVkvqkJ5JyqQ_HshHgnE-RaPP1mP2cpKcimF45rdERMvNBF7_9Q7ElFjtVUB0uiQM6EzRYqdIszbxHekJrGFCQHpZ8KtlQamTsbWdks3L2vxBgG7hw2aVw4ZB2lgPmk/s320/694.jpg

في رواية "مهرة شاهين"، تنسج الكاتبة صفا غنيم عالماً من المشاعر المتقاطعة، حيث تتداخل أصوات الخيل وصهيلها مع همسات القلوب التي تخاف أن تبوح. تحكي الرواية عن فتاة صغيرة تنشأ في عزبة صعيدية، محاطة بأبٍ طيب يمنحها الحرية، وأمٍ من طبقة أرستقراطية ترى في كل شيءٍ تهديداً لمكانتها. تنمو مهرة بين هذين العالمين المتناقضين، متشبثة بحبها للخيل وبشخصية "شاهين"، الفارس النبيل الذي يعلّمها الفروسية ويأسر قلبها دون أن ينطق بكلمة. غير أن الأيام لا تترك لهما فرصةً للاستقرار، فالماضي يحمل أسراراً ثقيلة، والحاضر يضج بمكائد وطمع، والمستقبل يخبئ مفاجآتٍ قد تغيّر كل شيء. بين الحب والانتقام، وبين الصراع الطبقي وثورات القلوب، تبقى مهرة رغم كل شيء، شامخةً كاسمها، تحارب كي تكتب نهايةً تليق بحلمها. رواية تترك في النفس رنيناً طويلاً، مثل صهيل حصانٍ يقطع صمت الليل.

مُهرة شاهين رواية 694 326 أكتوبر 2022 yes 201091985809 صفا غنيم كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjOfDuVIS2lhyHUbLwkDc1qN_H1NrKk7VpMBfoX4E8pHwM-KDFhyTwb2mwseqiaQ1ufYId-6YZG_XvbD4fLKd3ivNrjcV0xGJU4dY1H2PfvkPOX0CTnoGnhXgzqlrjU2YuXTzqYk-m8CXQKRX5VGyY_ituxGLqHhsDqOmYQCk4VVsvrLOzxVjAqFgoSeag/s800/%D8%B5%D9%81%D8%A7%20%D8%BA%D9%86%D9%8A%D9%85.png

رواية "مهرة شاهين" للكاتبة صفا غنيم هي عملٌ سردي مكثف، يقع في اثنين وستين فصلاً، يستكشف بعمقٍ حياة عائلةٍ مصرية صعيدية في حقبةٍ زمنية تبدو مزيجاً من الماضي العريق وتفاصيل الحياة اليومية المليئة بالطقوس والتناقضات. 

من خلال بناءٍ متقنٍ للأحداث، تضعنا الكاتبة أمام صراعٍ طبقي ونفسي حاد، يتمحور حول مصير "مهرة"، الفتاة التي تعيش بين فكيّ والدتها المتسلطة "ميرفت السلحدار" التي ترى في الزواج من طبقة الفلاحين خطيئةً لا تغتفر، ووالدها "جودت شهاب" الطيب الذي يمنحها حباً لا حدود له ويفتح لها أبواب عالمه الشاسع المليء بالخيل والفضاء المفتوح. 

من هنا، تبدو مهرة رمزاً للبراءة المهددة، ولكنها ليست ضعيفةً أبداً؛ فهي تمتلك عزيمةً خفية، وحدساً يرشدها في عالمٍ من الغموض.

تتخذ الرواية من المكان والأسرة عنصرين أساسيين في بناء دراميتها. فالعزبة التي تحمل اسم عائلة "شهاب" ليست مجرد خلفية، بل شخصية مؤثرة، ببيوتها القديمة واسطبلاتها التي تحتضن الخيول النبيلة، مثل "مهرة" الأم، وفلذة كبدها "بحر" الذي يربط "مهرة" بــ "شاهين" (عبد القادر الرفاعي)، الفارس الشاب النبيل ابن الشيخ الذي يدرس الهندسة، ويعشق الخيل، ويمتلك مبادئ صارمة لا تتنازل عن الشرف. 

هذا الحب الذي ينمو بصمت بين الشابين، في حضرة الخيول وريح الصعيد، يشكل العمود الفقري للرواية، لكنه ليس حباً هادئاً أو عابراً، بل حبٌ يثير حفيظة "مازن"، ابن خالة مهرة المغرور، الذي يرى في هذا الفارس "الفلاح" عائقاً أمام طمعه بميراث العائلة والوصول إلى مهرة.

اللافت في سرد غنيم أنها لا تكتفي بعرض الصراع العاطفي، بل تغوص بعمق في النفس البشرية، مبرزةً مشاعر الحقد والغيرة التي تملك "ميرفت" التي ترى في زواجها من "جودت" خطأً اجتماعياً فادحاً، وتعتبر "مهرة" امتداداً لهذا الخطأ، فتسعى بكل وسائلها الباطلة لتقويض أي محاولة لتجاوز هذا الإرث الثقيل. 

هذا الصراع يأخذ منعطفات حادة؛ حيث تتحالف "ميرفت" مع أختها وأبنها "مازن" لفرض رؤيتها، مستخدمةً كل ما تملك من نفوذ وحيل، بدءاً من محاولات إبعاد "مهرة" عن "شاهين"، مروراً بالضغوط النفسية، وصولاً إلى مؤامرة زواجٍ قسري، تكشف عن غياب أي بوصلة أخلاقية لدى هؤلاء الشخصيات، حيث يصبح المال والسلطة هما غايتهم الأولى.

لكن ما يميّز هذه الرواية، بعيداً عن حبكتها المشوقة، هو اللغة الشعرية التي تتداخل مع السرد، حيث تمتزج النصوص الوصفية بمونولوجات داخلية للشخصيات، خاصة "مهرة" و"شاهين"، لتعبر عن مشاعرهما التي لا تستطيع الكلمات الصريحة أن تنقلها. 

الرواية مليئة بالصور البلاغية التي تربط بين الخيول والإنسان، وكأن الكاتبة تشير إلى أن النبل والفروسية ليسا مجرد مهارة في ركوب الخيل، بل طريقة للحياة، كما تجسده شخصية "شاهين" الذي يظل مخلصاً لمبادئه حتى في أحلك الظروف، وحينما تتعرض "مهرة" للظلم وتُختطف خارج البلاد، يبقى صوته الداخلي حضوراً قوياً، وكأن الحبل السري الذي يربط بينهما لا ينقطع.

على صعيد البناء الدرامي، تتنقل الرواية بين عدة مراحل، تبدأ من النشأة والطفولة، مروراً بالمراهقة واكتشاف المشاعر، ثم لحظة الصدمة الكبرى بوفاة الأب "جودت"، التي تمثل نقطة تحول جذرية، تليها مرحلة المواجهة المفتوحة مع عصابة "ميرفت"، ثم المحطة المصيرية في أمريكا، حيث يلتقي القدر بمهرة في شخص السفير المصري النبيل "نير البدر"، الذي يصبح حليفاً قوياً لها في معركتها، ويُساعدها على استعادة وعيها وقوتها. 

هذه الرحلة، التي تأخذ مهرة من قريتها الصغيرة إلى عالم الدبلوماسية والسباقات الدولية، لا تخفف من حدة الدراما، بل تزيدها عمقاً، وتُظهر قدرة الشخصية على البقاء متماسكة رغم كل ما يحيط بها من خداع.