مخطوطة إبليس

فراش الموت يتنفس ثقيلًا، يحشرج أنفاسًا أخيرة ودموعًا لا تتوقف. عبد الحي، لم يبلغ السادسة بعد، يحدق في أبنائه الأربعة، يتامى مبكرين على يد أبٍ منهكٍ بمرضٍ أخذه ببطء. على مقربة، رجلٌ عجوزٌ بعمامةٍ سوداء، تتسمّك الحزن وجهه، يخاطب عبد الحي بصوتٍ خفيض، يذكره باتفاقٍ قديم، بعهدٍ يربطهما، ويثقل كاهله بالوعد الذي بات عليه. في زاويةٍ أخرى، يتمدد جسدٌ ممزقٌ على عتبات الزمن، سيفٌ حادٌ يخترقه، ويكشف عن وجهٍ كثيف اللحية، يلطخ سيفه ويديه بدماءٍ تنذر ببدايةٍ مروعة. في يد أخرى، كتابٌ عتيق، صفحاته قليلة، تتشرب دماءً أخرى، وتُعلن عن قرب موعدٍ رهيب، يتوق إليه رجلٌ عجوزٌ لا يرى، لكن بصره يخترق الجدران، وابتسامةٌ شريرة ترتسم على شفتيه، متمتمًا بكلماتٍ تتلوها رجفةٌ في الأرض. مخطوطة إبليس
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhdlUybN5HwBbiO3Ie9-LqaaCDgTcaXMYGT8W3P-DIxSn6PClQ2xr-ShMHaAOU7Gj3j64NDOrMXJbFyM4hr_SR6AxwrFqW-lh9VP68o80laQD945swFgK9uHHCBls9mShXZd8QStQn5dRqz5UaaMQcx-oJMPW7xPvwDq8lwVfZ2Gqm_q-6u14iBZA78YFA/s320/345.jpg

فراش الموت يتنفس ثقيلًا، يحشرج أنفاسًا أخيرة ودموعًا لا تتوقف. عبد الحي، لم يبلغ السادسة بعد، يحدق في أبنائه الأربعة، يتامى مبكرين على يد أبٍ منهكٍ بمرضٍ أخذه ببطء. على مقربة، رجلٌ عجوزٌ بعمامةٍ سوداء، تتسمّك الحزن وجهه، يخاطب عبد الحي بصوتٍ خفيض، يذكره باتفاقٍ قديم، بعهدٍ يربطهما، ويثقل كاهله بالوعد الذي بات عليه. في زاويةٍ أخرى، يتمدد جسدٌ ممزقٌ على عتبات الزمن، سيفٌ حادٌ يخترقه، ويكشف عن وجهٍ كثيف اللحية، يلطخ سيفه ويديه بدماءٍ تنذر ببدايةٍ مروعة. في يد أخرى، كتابٌ عتيق، صفحاته قليلة، تتشرب دماءً أخرى، وتُعلن عن قرب موعدٍ رهيب، يتوق إليه رجلٌ عجوزٌ لا يرى، لكن بصره يخترق الجدران، وابتسامةٌ شريرة ترتسم على شفتيه، متمتمًا بكلماتٍ تتلوها رجفةٌ في الأرض.

مخطوطة إبليس رواية 345 136 ديسمبر 2019 yes 201091985809 محمد مغازي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEh3GFfKRybd_tm38dzegveZewWEXlW9nt1U5Lre-PXFKXYta9zHm3oMvG7gTH4_N-r5TxhrEmYohEjPXIsyWzRne2ZTt2K39iqY-IeWMgqmgiW-ZjMiblsgsHl7JGy_-Biw1qi965YuLpCo4X9qRNaIA0p81noADZgdRSriYvA65alFFuTIcKcpk9Q29Z8/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B2%D9%8A.jpg

عبد الحي يلفظ أنفاسه الأخيرة فوق فراش المرض في القاهرة عام 1950، وبينما تبلل الدموع وجنتيه، يقف رجل معمم بسواد غامض ليذكره بعهد قديم واتفاق لا يقبل النكوص. لم تكن الصرخة المكتومة في صدر الأب الراحل خوفاً من الموت، بل حيرة من اختيار القدر له ليكون طرفاً في ميثاق شيطاني يمتد أثره إلى ذريته الأربعة الذين تركهم يتامى الأم. تبدأ هذه الحكاية من لحظة انكسار الزمن الإنساني أمام القوى الغيبية، حيث تطل "مخطوطة إبليس" كعنصر محرك للأحداث، ليس بوصفها مجرد ورق قديم، بل ككيان حي يتغذى على الدماء والعهود المقطوعة في عتمة الغرف المغلقة. يذكرنا هذا المشهد الافتتاحي بما سطره "غوته" في مأساة "فاوست"، حيث يصبح الاتفاق مع القوى المظلمة قيداً لا يلين، وحيث الثمن دائماً هو الروح أو ما تبقى من براءة النسل.

تنتقل سردية الألم من فراش الموت إلى أزقة ضيقة تشهد صراعاً دامياً على صفحات تلك المخطوطة اللعينة، حيث تسيل دماء الشيوخ "عبد الرازق" و"سلامة" على عتبات سلم قديم، وكأن الأرض ترفض ابتلاع أسرارهم دون قربان. يظهر القاتل كظل رث الثياب، مدفوعاً بهوس الامتلاك، يغمس صفحات الكتاب في الدم الساخن ليحيي طقوساً موغلة في القدم. يتجلى هنا الرعب في أبشع صوره حين يتحول الكتاب إلى محراب للقتل، وحين تضيع الحقيقة بين صفحات قليلة لكنها ثقيلة بما تحمله من شرور. في تلك اللحظات، يبرز الرجل الكفيف الذي يستعيد بصره فجأة من العدم، مبتسماً للموت الجاثم حوله، ومنادياً سيده العظيم بكلمات توحي بأن ما حدث ليس إلا تمهيداً لعودة سلطان قديم يطالب بملكه في الأرض.

الزمن في هذه الرواية ليس خطاً مستقيماً، بل هو دوائر من اللعنات تلاحق الأحداث حتى تصل إلى مواقع العمل الحديثة، حيث يتداخل العلم مع الخرافة. المهندس الذي يحاول فرض منطق الأرقام والمساحة يجد نفسه في مواجهة "أسامة"، ذلك الرجل الذي تلمع عيناه ببريق غريب وتعلوا وجهه ابتسامة توحي بمعرفة تتجاوز حدود التقارير الهندسية. الصراع على مكان الحفر ليس مجرد خلاف فني، بل هو صراع على نبش ما يجب أن يظل مدفوناً؛ فأسامة يصر على نقطة بعينها بداخلها تكمن أسرار المخطوطة أو ما ترتب عليها من عهود. يراقب "ياسر" هذا التحول المريب في ملامح زميله، مدركاً أن ثمة قوة خفية تدير المشهد، وأن الغرفة الخشبية التي يأوي إليها المهندس لإعداد تقريره لن تكون ملاذاً آمناً من لعنة بدأت قبل عقود.

اللغة في هذا العمل تنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، حيث تتحول المواقع الإنشائية إلى مسارح لدراما كونية، وتصبح الأدوات الهندسية عاجزة أمام طلاسم المخطوطة. إنها رحلة في أغوار النفس البشرية حين تضعف أمام إغواء القوة أو تقع في فخ الموت، مصورةً الضعف الإنساني كخيط رفيع يسهل التلاعب به من قبل قوى لا ترى في البشر سوى قرابين لمشروعها الأكبر. المخطوطة هنا هي البطل الحقيقي، هي الغائب الحاضر الذي يربط موت "عبد الحي" في الخمسينيات بجنون "أسامة" في مواقع الحفر، وكأن الشر طاقة لا تفنى بل تتحول من صورة إلى أخرى، محتفظة بجوهرها الذي يسعى دائماً لاسترداد ما ضاع منه ولو كان الثمن جثثاً ملقاة على السلالم المظلمة أو أرواحاً تائهة في فيافي الحيرة. تنتهي الحكاية دون أن تنتهي اللعنة، تاركة القارئ أمام تساؤل مرير عن حدود الحرية الإنسانية حينما تُباع في سوق الأسرار القديمة.