الحب وجود والوجود معرفة

ليس ثمّة أطروحة تظلّ عصيّة على امتحان الوعي، مهما تلبّست بقداسة الموروث أو تألّقت ببهاء السلطة. هذا الكتاب يطرح نفسه لا كمرآة للواقع، بل كأداة لكشف زيف انعكاساته. حيث يتحوّل الحبّ من مجرّد عاطفة إلى قوّة خلاقة، والمعرفة من اكتساب إلى وجود قائم بذاته. ما بين الوطن المقسّم، والخوف المسلّط، والهويّات المستباحة، يحاول المؤلّف تفكيك خيوط الاستبداد التي تنسجها الأنظمة الشمولية بأيديولوجياتها المقدّسة، ليكشف أنّ المعرفة ليست رفاهية بل سلاح. إنّه نصّ صارم في نقده، شفيف في تأمّله، لا يكتفي برصد العلل، بل يقترح وجوداً آخر، ممكن الحدوث، متى تجرّأ الإنسان على إعادة تعريف علاقته بالحب والحرّية والموت. الحب وجود والوجود معرفة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgh8oVGLU0OXwp66Gx3r9yRdAfRxBumntoBeCrJfnN5tqDO9eVCHoycMsSOM-JqnT6u0-GiuM4PrPBx8HeFvH8pfklVJrNh2dolja3EaunHCAbJ8jkqF4D-g69oW1F8FkKnNCP7kWwB3hAeu0Xz-eVtmCKa2x1z9JEiWDlvX1vJFaJWRRbRbfMNwhU0t-o/s320/592.jpg

ليس ثمّة أطروحة تظلّ عصيّة على امتحان الوعي، مهما تلبّست بقداسة الموروث أو تألّقت ببهاء السلطة. هذا الكتاب يطرح نفسه لا كمرآة للواقع، بل كأداة لكشف زيف انعكاساته. حيث يتحوّل الحبّ من مجرّد عاطفة إلى قوّة خلاقة، والمعرفة من اكتساب إلى وجود قائم بذاته.

ما بين الوطن المقسّم، والخوف المسلّط، والهويّات المستباحة، يحاول المؤلّف تفكيك خيوط الاستبداد التي تنسجها الأنظمة الشمولية بأيديولوجياتها المقدّسة، ليكشف أنّ المعرفة ليست رفاهية بل سلاح. إنّه نصّ صارم في نقده، شفيف في تأمّله، لا يكتفي برصد العلل، بل يقترح وجوداً آخر، ممكن الحدوث، متى تجرّأ الإنسان على إعادة تعريف علاقته بالحب والحرّية والموت.

الحب وجود والوجود معرفة فكر 592 360 أغسطس 2021 yes 201091985809 ريبر هبون كاتب سوري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiS3JzWLfqrZG_vAzlCjpBR4Q-CAOR3WJ2en7oQpQdwHHJ8NXNW6GithzKFFXnZ2LGOgMBG8yj5Jr6MA6n-h0X2O4znSQMoOMcC5ydM2hei47JsaFh8eOxs7xecqWHOnWibnLeVVt8bR97p9lnRGVmojffI1RtJ-kPrlJvLoxVC9fVasa7hZ6Tc5Oh1ICI/s295/%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D8%B1-%D9%87%D8%A8%D9%88%D9%86.jpg

يصنع هذا المؤلّف من الحبّ بوّابةً للوجود، ومن الوجود أرضيةً للمعرفة، في مقاربةٍ فلسفية تأخذ بيد القارئ بعيداً من مآزق الخطاب السياسي الديني المسيّس، نحو فضاءٍ يضع الإنسان في مركز الأسئلة الكبرى. ينطلق من فكرة جوهرية، وهي أنّ الكائن الإنساني لا يدرك ذاته بمعزل عن عاطفته الجياشة نحو الحياة، حيث يشكّل الحبّ الرابط الأوّلي مع الوجود، وهو الذي يولّد المعرفة بوصفها وعياً متنامياً بالعالقات والتناقضات.

غير أنّ هذا الرابط الطبيعي، سرعان ما يتشرذم بفعل تغوّل غرائز السلطة، التي لا تتورّع عن استبدال معاني الحبّ بخطابات الصراع والتطاحن، معتمدةً على تكريس الخوف كأداة للهيمنة. ومن هنا، ينخرط المؤلّف في تفكيك آليات القمع التي تعمل على تشويه الوعي الجمعي، خصوصاً في المنطقة العربية، حيث يغدو الإعلام منبراً لتزييف الحقائق وصناعة العقول المستسلمة التي تفقد قدرتها على النقد والتمييز، وتسير وراء خطابات تنميطية تمجّد القائد وتقدّس النصّ، في سبيل تعميق التبعية وإبطال أي حراك معرفي حقيقي.

يتعدّى التحليل حدود السياسة المباشرة، ليشمل ظواهر اجتماعية وثقافية، كالعنف الأسري، ومصادرة دور المرأة، وتكريس النمط الأبوي في العائلة والمجتمع. بيد أن هذه الظواهر لا تُقرأ في الكتاب كحالات طارئة، بل كامتداد عضوي لمنطق الدولة البطريركية الشمولية، التي تسعى إلى إعادة إنتاج ذاتها على مستوى الخلية الأولى في المجتمع، لتضمن استمرار هيمنتها وقمعها لأي نزعة تحرّرية.

يرصد المؤلّف بدقّة تصاعُد الميكافيلية الجديدة في المنطقة، حيث يتشابه أداء السلطات الحاكمة مع معارضاتها، في لعبة مكشوفة تقوم على تغذية التطرّف الديني والقومي، وتوظيفه كورقة ضغط إقليمي ودولي. وهنا يبرز التطرّف، لا كمنتج ثقافي هامشي، بل كاستراتيجية متعمّدة لخلق أوضاع من الفوضى تُحتّم التدخّل الخارجي، وتُبقي على شبكات بيع السلاح، وتُسهّل عمليات الصهر القومي والطائفي، كما حدث في تجارب الربيع العربي التي انقلبت إلى حروب أهلية ونزوح جماعي.

يظلّ هذا الكتاب، في جوهره، مشغولاً بالبحث عن مخرج من هذه الدوامة، من خلال تكريس مفهوم "الإنسان المعرفي" الذي يرى في التنوّع الإثني والديني مصدراً للغنى، وليس عائقاً أمام الوحدة. ذلك الإنسان لا ينتمي إلى حزب أو طائفة أو قومية، بل يؤمن بوحدة الوجود كأرضية مشتركة، وبالحب كأساس للفعل الأخلاقي، وبالمعرفة كهدف أسمى يُستحقّ النضال من أجله.

يتحوّل القتال ضد التطرّف، هنا، إلى معركة وجودية، لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تمتدّ إلى مواجهة فكرية عميقة مع النصوص المقدّسة المؤوّلة، التي توظّفها السلطات لتبرير القمع. فالمطرّف، كما يظهر من التحليل، ليس إلا نتاجاً لتربية سلطوية، وغسيلاً ممنهجاً للأدمغة، واستثماراً واعياً للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب ونزع إنسانيتهم.