سيد الشر

رنين الجرس سبق موعده، مقتحماً سكون الزنزانة. لم ننعم براحتنا كاملة ذلك اليوم؛ أمطار غزيرة باغتنا في الساحة العارية، فجعلت أكتاف الحراس تتخبط وسط برك المياه وهم يمسكون قبعاتهم بخشية أن تسقط هيبتهم. هرولوا منفلتين، يحاولون تنظيم طابور طويل عبثت به قطرات الغيث المنهمرة. اصطففنا بجانب الجدار العالي، كلٌ ينتظر دوره ليدخل مرقده. اتكأت على الجدار الخشن، أرقب تساقط القطرات المتتالية على الأرض المبتلة، تصنع إيقاعاً يبعث رائحة الحياة. من كان خلفي، لم ير مثل هذه الأمطار من قبل، كان يهمس بغضب عن يوم ارتكب فيه جريمة. يتذكر المرء دوماً تفاصيل محطاته الأخيرة؛ قد يكون السجن أهون من الموت، لكنه فنّاء للحياة بطريقة مختلفة. كنت مستغرقاً في قصة مصورة حين فتح السجان باب الزنزانة ومنادياً: "هييه انت هيا انهض بسرعة". كانت لحظات مشوقة من القصة، لم أرغب بقطع متعتي، فأجبته بهدوء وأنا أقلب الصفحات: "أظنكم ستخلون سبيلي قريباً، أليس كذلك؟ فحكمي طويل جداً، ووقت الاستراحة انتهى منذ ساعتين. فما بالك أيها الحارس؟" رفعت رأسي مازحاً: "آه لقد فهمت الآن، أنت هنا لمساعدتي على الفرار، أليس كذلك؟ سيد الشر
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhRg09PyUNRo4qhIXoXjuuJcTOiX-1cG1wRXiUPo1bGDlp4YbQZpjdAyW2UtMz25vk9YMKTGbM2JLleSdHAir4FOiFSqnW6HzJC6vzEdgE03sfmIpTubSD-jN1KC0hARPZc9U3ZWlf80iYHxz2aAleEuWolbZ_KLdGjkQcVTxHRQ5LaaILWjGd6DRI430M/s320/442.jpg

رنين الجرس سبق موعده، مقتحماً سكون الزنزانة. لم ننعم براحتنا كاملة ذلك اليوم؛ أمطار غزيرة باغتنا في الساحة العارية، فجعلت أكتاف الحراس تتخبط وسط برك المياه وهم يمسكون قبعاتهم بخشية أن تسقط هيبتهم. هرولوا منفلتين، يحاولون تنظيم طابور طويل عبثت به قطرات الغيث المنهمرة. اصطففنا بجانب الجدار العالي، كلٌ ينتظر دوره ليدخل مرقده. اتكأت على الجدار الخشن، أرقب تساقط القطرات المتتالية على الأرض المبتلة، تصنع إيقاعاً يبعث رائحة الحياة. من كان خلفي، لم ير مثل هذه الأمطار من قبل، كان يهمس بغضب عن يوم ارتكب فيه جريمة. يتذكر المرء دوماً تفاصيل محطاته الأخيرة؛ قد يكون السجن أهون من الموت، لكنه فنّاء للحياة بطريقة مختلفة. كنت مستغرقاً في قصة مصورة حين فتح السجان باب الزنزانة ومنادياً: "هييه انت هيا انهض بسرعة". كانت لحظات مشوقة من القصة، لم أرغب بقطع متعتي، فأجبته بهدوء وأنا أقلب الصفحات: "أظنكم ستخلون سبيلي قريباً، أليس كذلك؟ فحكمي طويل جداً، ووقت الاستراحة انتهى منذ ساعتين. فما بالك أيها الحارس؟" رفعت رأسي مازحاً: "آه لقد فهمت الآن، أنت هنا لمساعدتي على الفرار، أليس كذلك؟

سيد الشر رواية 442 116 يوليو 2020 yes 201091985809 عبد الإله عباسي كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi394xhj8_6eYIdXKIC8bq4nDFopKna83JwQE02hVk6oyIXD4helI5pj9L6Lucl4w-W8jp2xCrgS8GkIdSjzXqqtbEyzSW5dcfRAGyk1BBHi_GbktNhd2Tw2imi5T_ihYuwY8ljB1588vSwgA9gG7SKqlgLbMAOPIbz5YUxuRDlMJxBqcPG0Vdnaf06SBg/s295/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%87-%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A.jpg

رنين الجرس يقطع سكون الصباح قبل أوانه، ليجد الحراس أنفسهم في ساحة عارية تحت أمطار غزيرة. تتخبط أحذيتهم في البرك وهم يمسكون قبعاتهم خشية أن تفقد هيبتها. يهرولون محاولين تنظيم طابور طويل عبث به الغيث، بينما يقف كل منهم بجانب الجدار العالي ينتظر دوره. يرتكز جسدي على الجدار الخشن، أتأمل تساقط القطرات المتتالية على الأرض المبللة، موسيقى تبعث رائحة الحياة. خلفي، يقف رجل لم ير مثل هذه الأمطار من قبل، يخبرني بغضبه عن اليوم الذي اقترف فيه جريمته. نتذكر دائما تفاصيل محطاتنا الأخيرة، فالسجن قد يكون أخف وطأة من الموت، لكنه يجسد فناء الحياة بطريقة مختلفة.

في زنزانتي، كنت مستغرقاً في قراءة قصة مصورة حين فتح السجان الباب وناداني: "هيه، أنت، هيا انهض بسرعة". كانت لحظات مشوقة، فلم أرغب بقطع متعتي، فأجبته بهدوء وأنا أقلب الصفحات: "أظنكم ستخلون سبيلي قريباً، أليس كذلك؟ عقوبتي طويلة جداً، ووقت الاستراحة انتهى منذ ساعتين. فما بالك أيها الحارس؟". ثم رفعت رأسي ومازحت: "آه، لقد فهمت الآن، أنت هنا لمساعدتي على الفرار، أليس كذلك؟ ههه".

أتذكر تلك البلدة التي زرتها، شوارعها مغطاة بالوحل أو الأسمنت، ووضعها مزرٍ. لا مجلس مسؤول عن شؤونها، لا مؤسسات عامة كمدارس أو مستشفيات أو مراكز شرطة، فقط بعض الحوانيت الصغيرة والحرفيون وتجار الحطب. تعبت وقررت العودة مع حلول الظلام. في طريقي، شاهدت حلقة من الناس مجتمعين حول قط ضخم، رمادي اللون، يعوي ويرقص بألم، وقد سقط فوق إحدى قوائمه عمود حديدي ثقيل. وقفت مستغرباً، نظرت إلى الحشد الذي تخلّى عن شجاعته وانكمش خلف زميله، تاركاً هذا العرض المؤلم واليائس يستمر أمام أنظارهم البله. كسر صراخ القط المسكين دهشتي، فخلعت سترة الخجل وداهمت المكان، رافعاً العمود عن القط. بينما كان الحشد يشاهد في صمت وحيرة، أدركت أن قدم القط مكسورة. حملته وتوجهت نحو البيت، كان يتمسك بي بمخالبه ويبدو حزيناً. بحثت عن ضمادات أو أدوية، فلم أجد شيئاً. اقتطعت قطعة ثوب من قميصي وحاولت تجبير قدمه، حاول عضّي وغرز مخالبه في يدي، لكنه هدأ بعد انتهائي. طهوت له طعاماً، فأكل قليلاً ثم نام. جلست بجانبه آكل وأنظر إليه، وشعرت بالراحة لوجوده، كأنه صديق أهداني إياه القدر ليؤنس وحدتي وغربتي.

في ليلة مظلمة، فتحت الباب وأغلقته بحذر. تسمرت في مكاني أشاهد أجساداً تركض هنا وهناك في جنح الظلام. حمل البعض مصابيح يدوية وقناديل عتيقة لتنوير طريقهم، وآخرون مثقلون بأدلية يتسابقون نحو مصنع البلدة. كان المصنع نفسه يضيء السماء بوميض قوي، ثم انار الحريق الهائل كل ذلك البناء العظيم الذي تأكله النيران. في تلك اللحظة، تذكرت سارة، التي تقطن البيت الملحق بالمصنع، وشككت أنها في خطر. ركضت مسرعاً باتجاه المصنع الملتهب، نحو الخطر المؤكد على حياتي لإنقاذ شخص. هل أنا حقاً من يفعل هذا؟

كنت قبل ذلك أجلس فوق سطح عالٍ أشاهد معاناة الناس وأضحك على شقاوة الحياة معهم. ربما نضجت أو أصبحت أحمق، لا أعرف. ما كان يجول بخاطري بين أنفاسي المتصاعدة هو أن التفاهة تحضر دائماً في عقلي عندما أكون في موقف جاد. وصلت إلى تلك الكتلة النارية الهائلة، ورفعت عيني متضرعاً، كان منظراً مهولاً. النيران التهمت مخزن الأخشاب، والناس يطوفون حوله بأدلية المياه الحقيرة في محاولة بائسة لوقف زحف الحريق. حالة من الهستيريا أصابت المكان، الكل يهرول ويصرخ، وبعض النسوة يحاولن إخماد هلع أطفالهن. شاهدت الحارس العجوز بوجه مكلوم، كأن بيته هو ما يندثر أمامه، يشير تائهاً إلى جانب، وينادي آخر، دون أن ينتبه له أحد. لم يكن لدي وقت لأعيره كل ذلك الاهتمام، فقد كان أمامي هدف واحد حينها.