تأشيرة حياة

ينبض القلب، لكنه ليس كل من يحمل قلباً هو إنسان حقًا. اللغة، كبحر لا قرار له، تحوي معانيها النسبية التي قد تُشوهها نوايا القراء. البعض يقرأ بنوايا صافية، فيرى الجمال، بينما يراها آخرون مشوهة، مجرد سوق لتجارة زائلة. أخلاق هذا الزمان تتداعى، وسوقها الأكبر هو ذاك الذي يجيد بيع الأوهام. تسقط القيم على الوجوه، وتتشوه الأخلاق. ثم تأتي كلمات، كغيثٍ يهطل على أرضٍ عطشى. كلماتٌ تنساب من بين خفايا النفس، حاملةً عطراً لم يسبق له مثيل. إنها تلك الومضات التي تغزو العقل، فتُعيد تشكيل الفكر، وتُشعل فتيل الروح. هذه الكلمات، حين تجد لها صدى في عالمٍ يئن تحت وطأة صمته، تصبح كشمعةٍ تُضيء دروباً مظلمة، وتُعيد للحياة معناها الضائع. تأشيرة حياة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhTZSRT8K2z96LDCJbAq149rusCL9ifWQwhAxyhT78no_XsjuWD5lbSz6-7oZlsQvCP4YOowYa1M7lSshVPA8H1_SMzj0akySb5gam0ArN2QrrH-00zR_VL7SX51aDiySC7CQDTftazfB7_9JtNpkCm7Hveffw9ZIJoTNK518VY2raTlezEJZVZ6ZkGhuI/s320/212.jpg

ينبض القلب، لكنه ليس كل من يحمل قلباً هو إنسان حقًا. اللغة، كبحر لا قرار له، تحوي معانيها النسبية التي قد تُشوهها نوايا القراء. البعض يقرأ بنوايا صافية، فيرى الجمال، بينما يراها آخرون مشوهة، مجرد سوق لتجارة زائلة. أخلاق هذا الزمان تتداعى، وسوقها الأكبر هو ذاك الذي يجيد بيع الأوهام. تسقط القيم على الوجوه، وتتشوه الأخلاق. ثم تأتي كلمات، كغيثٍ يهطل على أرضٍ عطشى. كلماتٌ تنساب من بين خفايا النفس، حاملةً عطراً لم يسبق له مثيل. إنها تلك الومضات التي تغزو العقل، فتُعيد تشكيل الفكر، وتُشعل فتيل الروح. هذه الكلمات، حين تجد لها صدى في عالمٍ يئن تحت وطأة صمته، تصبح كشمعةٍ تُضيء دروباً مظلمة، وتُعيد للحياة معناها الضائع.

تأشيرة حياة شعر - سلسلة كتاب لوتس 20 212 192 مارس 2019 yes 201091985809 مجموعة مؤلفين جنسيات منوعة

تأشيرة حياة هي صرخة جماعية تمتد بين دفتي كتاب، حيث تجتمع أصوات شعراء شتى لترسم ملامح الوجع والحرية في نسيج شعري واحد. يبدأ هذا العمل من عتبة "إغدراسيل"، تلك الشجرة الأسطورية التي تضرب جذورها في عمق الأرض وتعانق أغصانها السماء، ليكون الكتاب جسراً رمزياً يربط بين تجارب إنسانية متباينة تشترك في حمل لواء الكلمة الحرة. تأتي هذه الطبعة الثانية الصادرة عن دار لوتس للنشر لتؤكد أن الإبداع لا يُحتكر، وأن ثمة فضاءات رحبة تتسع لكل قلم يرفض أن يكون سلعة في سوق النخاسة الثقافية. يفتتح الكتاب بروح متمردة على الزيف، محذراً من أن القلوب التي لا تنبض بالصدق لا تستحق لقب الإنسانية، فالعلاقات الإنسانية في هذا الزمن تشوهت ملامحها بفعل الأنانية والمتاجرة بالمشاعر، ولم يتبقَّ لنا سوى الفن ملاذاً أخيراً لترميم ما انكسر في أرواحنا.

يتحرك الشعراء في هذا الديوان الجماعي، ومنهم وليد العايش وخالد خليف ووصال نور، بين مقامات الفقد وشجن العودة المستحيلة. يحضر الطفل الشهيد في قصائد وليد العايش كأيقونة للوجع الممتد، ذاك الذي عاد في كفن وهو لم يزل يلهو في خياله بدمية وحفنة تراب. هي تراجيديا "العودة إلى البيت" التي لا تكتمل إلا بالموت، حيث يغدو الكفن هو الثوب الوحيد الذي لم يتسخ بطين الطريق الوعر. تبرز الصورة الشعرية هنا كمرآة عاكسة لواقع ينهش براءة الطفولة، لكنها في الوقت ذاته ترفض ركوب "زورق النسيان"، وتصر على إضاءة شمعة فوق القبر لتظل الذاكرة حية، تماماً كما قال الفيلسوف نيتشه بأننا نملك الفن لكي لا نموت من الحقيقة. هذا الالتزام بالذاكرة هو ما يمنح النصوص شرعيتها، ويجعل من القراءة طقساً من طقوس الاستحضار لا مجرد استهلاك للكلمات.

ينتقل بنا خالد خليف إلى "ذاكرة الجسر"، حيث تذوب المسافات بين الكرخ والرصافة في أغنية تقطر حنيناً، متسائلاً عن الجدوى من غرس الأشواك في دروب المحبين. الجسر هنا ليس مجرد بناء من حجر وإسمنت، بل هو كائن حي يئن تحت ثقل الأنباء والحروب، ويستقرئ ما تخفيه غصص المذيعين على الهواء مباشرة. يستحضر الشاعر لغة تراثية رصينة يمزجها بروح العصر، ليخلق توازناً بين "خمر اللحاظ" و"دهاليز الكهانة"، محاولاً العثور على نبضة واحدة تأسو عروق القلب المنهك من مراء الدهر. إنها محاولة لاستعادة "الرهافة" في زمن الضجيج، حيث يغدو القلم في يد الشاعر سحابة تهمي جمالاً، تخترق آفاق القلوب لتزرع السناء في غسق الروح، وتجادل العرافين في أسرار الوجد التي لا تدركها العقول الجافة.

هذا الكتاب هو في جوهره إهداء لكل روح تحلق في سماء الحرية عبر المحيطات والمسافات، وهو اعتراف بجميل الأقلام التي لا تيأس من العطاء رغم الجحود. تتجلى في نصوصه عاطفة مضبوطة تترفع عن البكائيات الرخيصة، لتصوغ من الألم ملحمة بقاء، حيث تغدو شجرة اللوز الكبيرة شاهداً على حب يتجدد رغم غزوات الفتوح واحتلال القلوب. يرفض الشعراء هنا أن تكون كلماتهم مجرد صدى، بل يريدونها "تأشيرة حياة" حقيقية، تمنح العابرين في دروب التيه حق الحلم والقدرة على مواجهة توحش الضباع بصدور عارية إلا من الشعر. هكذا ينساب النص كالنهر، لا تعكره عناوين فرعية ولا تقطعه فواصل مصطنعة، ليبقى القارئ في مواجهة مباشرة مع تجربة إنسانية تقطر صدقاً، وتؤمن أن الكلمة هي الكسوة التي تجعل المعلومة تـُعاش بكل جوارحنا قبل أن تـُحفظ في ذاكرتنا.