قرض حياة

في لحظة عابرة، على حافة رصيف مألوف، يلتقي شاب باحث عن مستقبل بسيدة غامضة تبحث عن ماضٍ ضائع. سيدة لم تكن تعلم أنها تحمل في حقيبتها الصغيرة قصة عمر كامل، ولا شاب لم يدرِ أن سقوطها تحت عجلات سيارة سيكون مفتاحاً لألغاز لم تخطر على بال أحد. بين مذكرات مسروقة ونسيان قاتل، بين حياة بذلت كل شيء وتوأم لم تره، بين امرأتين تشتركان في الاسم والملامح إنما تفترقان في كل شيء آخر، تبدأ رحلة البحث عن هوية ضائعة وسط دوائر من الصدف والغموض. هل يمكن أن يُقرض الموت حياة جديدة؟ وهل يُمكن للحب أن يولد من رحم المصادفة والألم؟ رواية تأخذك في دهاليز الذاكرة حيث الزمن لا يمر، بل يتداخل، وحيث القرارات التي نتخذها اليوم قد تكون امتداداً لحياة عاشها آخرون قبلنا. قرض حياة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi_JdyBA6z0xHFT2nzvDuLC6zD3oPoxtRKt62B22gL92OTVhQWFN1rnfl5W6qDzh3lzUgNVkRo2iZyd2TcfJOTudUslvmqDHrKvOd9e2W-HhVnmfmnE7w-V3rCRJoLqkiff5nNgFZzHW_jIKqafi1ekhs9yeEX5jtscORaAte3v0pvi-4lz_Y3GNQMaPhI/s320/632.jpg

في لحظة عابرة، على حافة رصيف مألوف، يلتقي شاب باحث عن مستقبل بسيدة غامضة تبحث عن ماضٍ ضائع. سيدة لم تكن تعلم أنها تحمل في حقيبتها الصغيرة قصة عمر كامل، ولا شاب لم يدرِ أن سقوطها تحت عجلات سيارة سيكون مفتاحاً لألغاز لم تخطر على بال أحد. بين مذكرات مسروقة ونسيان قاتل، بين حياة بذلت كل شيء وتوأم لم تره، بين امرأتين تشتركان في الاسم والملامح إنما تفترقان في كل شيء آخر، تبدأ رحلة البحث عن هوية ضائعة وسط دوائر من الصدف والغموض. هل يمكن أن يُقرض الموت حياة جديدة؟ وهل يُمكن للحب أن يولد من رحم المصادفة والألم؟ رواية تأخذك في دهاليز الذاكرة حيث الزمن لا يمر، بل يتداخل، وحيث القرارات التي نتخذها اليوم قد تكون امتداداً لحياة عاشها آخرون قبلنا.

قرض حياة رواية 632 164 ديسمبر 2021 yes 201091985809 ميرفت شتلة كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgBhlHad4Lo9HSFsvOjv4-kFzec8Z4d2zJQKHc_j3h2g1Ym5pkCmfgH_VBPe3ewSCMh6I0Ljwv2ZlPUlfSQaGRzOgm4qqlhOCG0Jfb_1vG5BJ63RAlfX-SQ69lkEd-50ByFVVOQm7-OTZcsNDsMXFIpa96Zsf6Zh_Ru6o73mRb-tT20XMBDgkszxCeKkbM/s295/%D9%85%D8%B1%D9%81%D8%AA-%D8%B4%D8%AA%D9%84%D8%A9.jpg

رواية "قرض حياة" لمرفت شتلة تبدأ من واقعة عابرة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها بداية لسلسلة من المصادفات التي تشبه القدر المحتوم، حيث يلتقي طارق، الشاب الذي بدأ للتو خطواته الأولى في سوق العمل، بسيدة نادية التي تسير بخطوات واثقة ونشاط طفولي يتناقض مع عمرها الذي يتجاوز الخمسين. 

غير أن هذا اللقاء الأول لا يدوم طويلاً، إذ تتعرض السيدة لحادث سيارة يلقي بها في غيبوبة عميقة، ويجعل طارق أمام مسؤولية مفاجئة بعد أن يجد نفسه الشاهد الوحيد على الحادث، ويمسك بحقيبتها التي تحتوي على مفتاحي بيتها وسيارتها، ليكون ذلك فاتحة لخوض غمار عالم غامض لا يعرف عنه شيئاً.

من هنا، تنسج الكاتبة حبكة متشابكة تقوم على فكرة انقسام الذاكرة وتداخل الأقدار، إذ يكتشف طارق مع صاحب المطعم ضياء، الذي يتكفل بنفقات المستشفى بشكل غير مبرر، بيت السيدة نادية القصر الأثري الذي يفيض بالجمال والغموض، حيث يعثر طارق على مذكرات تخبئها السيدة خلف درج خزانتها، فيقرر أن يحتفظ بها سراً. وهذه المذكرات، التي تشكل قلب الرواية النابض، تنقل القارئ إلى رحلة زمنية موازية تروي قصة فتاتين تدعيان كلتاهما نادية:

نادية قاسم، التي نشأت في بيئة فقيرة وعانت من غياب الحب الأبوي، ونادية رحيم، صديقتها المقربة التي تشبهها في الملامح لكنها تنتمي لعائلة ميسورة، لتتطور العلاقة بينهما إلى توأم روح يتقاسم كل شيء، ويؤسسان معاً حلماً مشتركاً بإنشاء دار لأطفال فقدوا الأهل، وتتصل مصائر الفتاتين على نحو يجعلهما تكمل كل منهما الأخرى.

على هذا الأساس، تكشف المذكرات عن حياة نادية قاسم الزوجية التعيسة، وهروبها من زوجها ناجي الذي لم يكن أكثر من رجل ضعيف الشخصية تخلى عنها وعن أطفالها يوسف وسارة، ثم رحيلها إلى الكويت لتلتقي مجدداً بنادية رحيم، حيث تبدأ حياة جديدة قائمة على علاقة تحولت إلى أكثر من صداقة، حتى صارت كل منهما ظلاً للأخرى إلى أن جاء قرارهما المشترك بعودة نادية قاسم إلى مصر، حاملة معها مذكراتها التي كتبتها على مدار سنوات، والتي تعبر في جوهرها عن الرغبة في منح الحياة فرصة أخيرة بعد كل ما فقدته.

غير أن الكاتبة لا تكتفي بتقديم حبكة بوليسية مثيرة، بل تطرح من خلالها أسئلة عميقة حول ماهية الهوية، وحدود الذاكرة، وقدرة الإنسان على إعادة اختراع ذاته، خاصة حين يصبح الماضي ثقيلاً لا يُطاق، وتأتي المذكرات هنا بمثابة خلاص وفضح في آن واحد، شهادة على حياة عاشتها امرأة دون أن تجد من يشهد لها.

تتعدد المحاور التي تعالجها الرواية، إذ تلامس قضية العلاقات الأسرية المتفككة، وغياب الأب، وهشاشة الحب الزوجي في وجه المادة والسلطة، فضلاً عن الصداقة النسائية التي تتجاوز حدود العلاقات العادية لتصبح رابطاً وجودياً، حيث تذهب الكاتبة إلى حد تصوّر أن كل واحدة من الناديتين تكمل الأخرى، كما لو كانتا نصفين لروح واحدة، وهو ما يبرر فكرة "قرض الحياة" التي تنادي بها إحداهما؛ أن تمنح الأخرى حياتها التي لم تعشها لتواصل الحلم الذي بدأته معاً. 

وفي هذا السياق، تظهر شخصية طارق كحلقة الوصل بين العالمين، إذ يقرأ المذكرات ويصبح شاهداً على حياة نادية قبل أن يعرفها، ثم يلعب دوراً محورياً في لم شملها بابنتها سارة، التي تصبح طبيبة المخ والأعصاب المعالجة لحالة والدتها، في مشهد يجمع الأطراف المتفرقة ويحقق المصالحة التي طال انتظارها.

بيد أن الحبكة لا تخلو من عنصر المفاجأة والغموض، إذ يتضح تدريجياً أن ضياء صاحب المطعم كان يعرف أكثر مما يبدو، وأن سيارة ابنه هي التي صدمت نادية، وهو ما يفسر تكفله بنفقات علاجها، مما يضيف بُعداً أخلاقياً آخر يتعلق بالشعور بالذنب، والرغبة في التكفير عن الخطأ، وحدود التسامح. 

كما تلعب الكاتبة على وتر التوأم والازدواجية ليس فقط في الأسماء، بل في المواقف والقرارات، لتجعل القارئ في حيرة مستمرة: أي نادية تعرضت للحادث؟ وأيتهما تكتب المذكرات؟ وحتى اللحظات الأخيرة، تظل الأسئلة مفتوحة، مما يمنح النص عمقاً تشويقياً لا يخلو من عبقرية في البناء السردي.