الحياة في ريفانا

استيقظ شاب ثلاثيني على عشب بارد، لا يذكر اسمه، ولا يعي مكانه. وجد نفسه في سوق صاخب، يتخبط بين وجوه لا يعرفها، وقلبه يقرع طبول الحيرة. الجوع يخترق أحشاءه، والدوار يحاول استدراج جسده نحو الأرض. لمح مطعماً صغيراً، وفي زاويته جلست فتاة، بجمال يكسر حدة القلق. اقترب منها، بكلمات تائهة، يسأل عن المدينة. "ريڤانا"، أجابت بصوت ينساب كهدير جدول. استقبل الاسم الغريب بلسان حال يردده، علّ صدى الكلمات يوقظ ذاكرة نائمة. سألته الفتاة عن جوعه، وأجبره جسده المتعب على الاعتراف. "اجلس"، قالت، "واطلب ما تشتهيه". هنا، على حافة ذاكرة مفقودة، تبدأ رحلة نحو اكتشاف الذات، وربما، اكتشاف عالم كامل. الحياة في ريفانا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiLmQFKLH_U4hBc5jlm8rE1MAnWeNp_zGuoPIC31xx3wyMcspm5V9VG5KIxOOmvSHN0ijSbJR4pXQW41XHVPL-qE_-aSZx294F4XW7mbRKK3uKaLFMCeaC1rUwyCsr9NaGbjf9UPNPUmjAPMkkjk7nCQsyXAcypE_sdlbpEiYF2RG-jSjbv6dkYSrR3Ehs/s320/376.jpg

استيقظ شاب ثلاثيني على عشب بارد، لا يذكر اسمه، ولا يعي مكانه. وجد نفسه في سوق صاخب، يتخبط بين وجوه لا يعرفها، وقلبه يقرع طبول الحيرة. الجوع يخترق أحشاءه، والدوار يحاول استدراج جسده نحو الأرض. لمح مطعماً صغيراً، وفي زاويته جلست فتاة، بجمال يكسر حدة القلق. اقترب منها، بكلمات تائهة، يسأل عن المدينة. "ريڤانا"، أجابت بصوت ينساب كهدير جدول. استقبل الاسم الغريب بلسان حال يردده، علّ صدى الكلمات يوقظ ذاكرة نائمة. سألته الفتاة عن جوعه، وأجبره جسده المتعب على الاعتراف. "اجلس"، قالت، "واطلب ما تشتهيه". هنا، على حافة ذاكرة مفقودة، تبدأ رحلة نحو اكتشاف الذات، وربما، اكتشاف عالم كامل.

الحياة في ريفانا رواية 376 82 يناير 2020 yes 201091985809 رضوان شكري كاتب مغربي https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEimBH2-c8G51afMS04hUmuZidiWFDuJwdsOGTkq8gtMf_QRyiLpG9j0K-rItEwO94cKzJibMCnjgC_BOfdCewWq72F3dsB7vygr4TUetyDloOlcFuZl-85mdjNUQtuFYDwXiRcNEarlRcvn-FkzfG-uH3scdXAGw_L1TFGdeHyH0vHMotV767ICk3wSn4s/s295/%D8%B1%D8%B6%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%B4%D9%83%D8%B1%D9%8A.jpg

صحا فجرٌ على شابٍ في عقده الثالث، غارقٍ في سباتٍ عميقٍ على عشبٍ ندي. فتح عينيه ليجد نفسه تائهاً في مدينةٍ لا يعرفها، سوقها يصخب بالضجيج، وأسماؤه تاهت مع وعيه. الجوع ينهش أحشاءه، والدوار يراوده وهو يقف على قدميه بصعوبة. يخطو بين الوجوه الغريبة، حائراً، قلبه ينبض بقلقٍ دفين. تلمح عيناه مطعماً صغيراً في زاوية، تجلس أمامه فتاةٌ في مقتبل العمر. يقترب منها بتردد، متلمساً خيط أملٍ واهٍ. "في أي مدينة نحن؟" يسأل بصوتٍ مرتجف. ابتسامةٌ حنونةٌ تشرق على وجهها، تجيب: "إنها ريفانا!". اسمٌ غريبٌ يتردد صداه في ذهنه، يتلمس في طياته شيئاً من ذكرى، لكن الخواء يظل سيد الموقف. تلحظ جوعه، فتدعوه للجلوس وطلب ما يشتهي. يجلس مقابلاً لها، يستدعي النادل.

لاحقاً، يشتعل غضب حسام، يضرب بقبضته على الطاولة، مطالباً بكشف المستور. ريتان، بهدوءٍ يكسر حدة الموقف، تهدئه وتعده بسرد حكايتها. تعود بها الكلمات إلى سنواتٍ خلت، حيث استيقظت ذات صباحٍ في سريرٍ لم تعرفه، في شقةٍ باتت مسكنها. ذكرياتها ضبابية، لا تذكر سوى اسمها. يقاطعها حسام بلهفة: "إذن أنتِ أيضاً لستِ من هذا الكوكب؟". تنفي، وتطلب منه الاستماع. تصف خوفها الأول، شعورها بأنها مخطوفة، ورغبتها الملحة في الهرب. "وماذا حدث لكِ؟" يسأل حسام. تسرد حاجتها للطعام والشراب، ودخولها مطعماً في أحد أحياء المدينة. هناك، واجهت نفس المأزق، لم تملك مالاً، ولم تتعرف عليها البطاقة الشخصية. "كما حدث معك، أنت تعرف بقية القصة." تقول. يزداد يقينها بأنها في ريفانا، على كوكبٍ اسمه غريبٌ عليها. لم يكن أمامها سوى العودة إلى الشقة التي استيقظت فيها. "هل هذا كل شيء؟" يسأل. "لا، بعدها تعرفت على أصدقاء، تعلمت الكثير عن ريفانا، وتعوّدت على العيش دون تفكيرٍ في الماضي. لكن الأمر بالنسبة لك مختلف تماماً."

هذه المدينة، ريفانا، تبدو وكأنها ساحةٌ أزليةٌ لأرواحٍ تائهة، تستيقظ من سباتٍ عميقٍ بلا ذاكرة، بلا جذور. كأمواجٍ بحرٍ بلا شاطئ، تتلاطم في فراغٍ أبدي. هذا الشاب، حسام، وريتان قبله، كلاهما كغريقٍ يتشبث بقشة، يبحث عن دليلٍ في متاهةٍ لا نهاية لها. هما كالقصائد الضائعة، تنتظر من يمنحها قافيةً ومعنى. هل ريفانا مجرد مكانٍ، أم أنها حالةٌ وجودية؟ هل هي سجنٌ أم مأوى؟ أم هي مرآةٌ تعكس هشاشة الذاكرة الإنسانية، وقدرة الروح على التكيف مع المجهول؟ تتكشف القصة عن عوالم هشة، حيث تتشابك الأقدار، وتصبح الغربة عنواناً للحياة. كل شخصيةٍ هنا تحمل ندبةً من فقدان، وبحثاً مضنياً عن الهوية. هل يجد حسام طريقه بين أزقة ريفانا؟ وهل يلملم شتات ذاكرته أم يصبح جزءاً من صمت المدينة الأبدي؟

تتداخل حكايات الأرواح المعذبة في ريفانا، حيث تتشابه المسارات وتتآلف الغرائب. الشاب الذي استيقظ بلا ماضٍ، والفتاة التي وجدت نفسها في عالمٍ مجهول، كلاهما يجسدان هشاشة الوجود الإنساني أمام عاصفة النسيان. كأن ريفانا بحرٌ واسعٌ، تبتلع سفن الذاكرة، وتترك على شواطئها أشباحاً تبحث عن هويتها. هم كالورود الشتوية، تتفتح في بردٍ قارس، تبحث عن دفءٍ يوقظ جذورها. القصة تنسج خيوطها من الألم والاغتراب، لكنها تحمل في طياتها بصيص أملٍ، كبريق نجمٍ وحيدٍ في سماءٍ سوداء. هل تمنح ريفانا هؤلاء الأرواح الضائعة سكينةً، أم أنها مجرد استمرارٌ لمعاناتهم؟ يظل السؤال معلقاً، كأنشودةٍ لم تكتمل، تنتظر نهايةً تمنحها لحناً.