الغروب الأخير

توقفت عربة الأجرة أمام بيت العمدة، لا تحمل أحداً، بل تحمل صدى موته. سالم، ابن العمدة، يقف على عتبة الباب، لا يستقبل أحداً، بل يتقبل نظرات أهل القرية المتسائلة. سكون يلف المكان، ثقيل كسواد الليل الذي ابتلع الضحية. لم يكن مجرد مقتل، بل انكسار في نسيج المدينة، جرح غائر لا تبرئه الأيام. الغروب الأخير لم يكن مجرد نهاية نهار، بل نهاية براءة، بداية تساؤلات عن اللوم، عن التقصير، عن الغفلة التي سمحت للأوغاد بالعبث. تتردد في الأذهان حكايات سالم وأولاد عمار، ظلال قديمة بدأت تتكشف، لتطرح نفسها كخطر داهم. القلوب تخفق، والعقول تدور في حلقة مفرغة، فمن المسؤول عن هذا السقوط؟ هل هو سالم نفسه، أم والده العمدة، أم هؤلاء المطاردون الذين انتشروا كالوباء؟ أم أن الجميع قد قصروا، وتغافلوا حتى حلت هذه المصيبة الفاجعة، التي تركت أبناء القرية يبكون في صمت، ويجرون الحسرة والندم. الغروب الأخير
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhkc_hcJQXHLP4MNQJDoddWyy3v4-4ZtgJIOnITw1paJQBA024HC2Gkgu3fyg1ADubDh0simn8pBr1UZqoJfHfko7wqONRhO5Mw6DSknAdFd8t32TGIbZpDHA1L5FXAqgix-Y1NZZnaAucpW2bSLcG5RhKP28b_bwZ09xdWMyiXO2joIUh2etuxUkwv4Vk/s320/315.jpg

توقفت عربة الأجرة أمام بيت العمدة، لا تحمل أحداً، بل تحمل صدى موته. سالم، ابن العمدة، يقف على عتبة الباب، لا يستقبل أحداً، بل يتقبل نظرات أهل القرية المتسائلة. سكون يلف المكان، ثقيل كسواد الليل الذي ابتلع الضحية. لم يكن مجرد مقتل، بل انكسار في نسيج المدينة، جرح غائر لا تبرئه الأيام. الغروب الأخير لم يكن مجرد نهاية نهار، بل نهاية براءة، بداية تساؤلات عن اللوم، عن التقصير، عن الغفلة التي سمحت للأوغاد بالعبث. تتردد في الأذهان حكايات سالم وأولاد عمار، ظلال قديمة بدأت تتكشف، لتطرح نفسها كخطر داهم. القلوب تخفق، والعقول تدور في حلقة مفرغة، فمن المسؤول عن هذا السقوط؟ هل هو سالم نفسه، أم والده العمدة، أم هؤلاء المطاردون الذين انتشروا كالوباء؟ أم أن الجميع قد قصروا، وتغافلوا حتى حلت هذه المصيبة الفاجعة، التي تركت أبناء القرية يبكون في صمت، ويجرون الحسرة والندم.

الغروب الأخير رواية 315 352 نوفمبر 2019 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjrSDuWmVyYeVx1j6MTSTZXRd7SYWFEYwrJH2w8KduREwod1qJ0NZ0Ay2LmbzusnCPtuCKfbx_jtqFQTZJW89VzTEqP92S4UHhAzLJa1NanZXfAvHWqmLHftJszFCZsbm5A-Z0-YYqQtQpScgn0dxJq5Q3z24XaGi-ge4MV2aGXMJ9WWp5flWndZ5CvpM8/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

سالم، ابن العمدة الذي حمل فوق كتفيه ثقل المكانة وعبء القلق، يمثل في رواية "الغروب الأخير" لمحمد عبد النعيم تلك التراجيديا الإنسانية التي تحدث حين يتماس الشرف مع الخطر، والحق مع الغدر. تبدأ الحكاية بوجع جماعي، بموت يطبق على أنفاس القرية ويتركها في ذهول وصمت، حيث يتحول مقتل سالم إلى ندبة لا تبرأ في ذاكرة الناس، تنزف كلما مروا بذكرى الحادثة التي وقعت بغتة بعد مغيب الشمس. ينسج الكاتب خيوط الحكاية بين "براءة" القرية و"توحش" المطاريد من أولاد عمار، أولئك الذين يسكنون الهوامش والظلال، ويتحولون إلى قدر محتوم يلاحق من يظن أنه في مأمن من لدغات العقارب. إنها قصة السقوط من شاهق الإخلاص إلى هاوية الخيانة، حيث الجرح الأكثر إيلاماً لا يأتي من غريب، بل من يد صديق أو قريب كان القلب يطمئن إليه.

يستحضر النص روح المتنبي في يقينه بأن "ظُلْمُ ذَوي القُرْبى أَشَدُّ تَرَضُّياً"، فالمأساة في عالم سالم لا تكمن في رصاصة أو ضربة "شومة" قاتلة، بل في تلك الحيرة التي تتركها الجريمة في نفوس الناجين. يتساءل الجميع عن مكمن الخلل؛ هل هو تقصير العمدة الأب، أم تهور الابن، أم هو ذلك التغافل الجماعي الذي سمح للشر أن ينمو تحت أعينهم حتى وقعت الكارثة في تلك العصارة المهجورة التي شهدت جلسات السمر قبل أن تشهد سكرات الموت. تدور الأحداث في بيئة ريفية محملة برائحة التبغ الممزوج بالدخان المتصاعد من "الشيشة"، وصوت ارتطام الأدوات التي تحولت في لحظة غدر إلى مفاتيح للمقابر، حيث يبرز أحمد أبو يونس كظل غامض، رجل يمتلك يداً لا تخطئ وعيناً لا ترحم، يبيع قوته لمن يدفع، فتصبح ضربته الواحدة كافية لتهوي بالخصوم كالثيران الذبيحة.

تتجلى في الرواية الازدواجية بين حياة العمدة المستقرة التي تقوم على "اللقمة الهنية والفرشة الناعمة"، وبين القلق الذي ينهش في صدر "جميلة" زوجة سالم، وهي تراقب زوجها يغرق في سهراته الليلية مع رفاق السوء أو المطاريد. الصراع هنا ليس طبقياً فحسب، بل هو صراع وجودي بين الاستقرار المتمثل في صحن اللبن الرايب وخبز الصباح، وبين الفوضى التي تمثلها عصابة أولاد عمار. اللغة التي تشكل بها الرواية عالمها هي لغة مشبعة بالصور الريفية الأصيلة، حيث "دوام الحال من المحال" ليست مجرد حكمة تقال، بل هي نذير يمهد للانهيار الوشيك الذي سيجعل من اسم سالم مجرد حكاية يجترها الناس في صمتهم، ويسألون الريح عن دمه الذي تفرق بين القبائل والنفوس الضعيفة.

ينتقل السرد من جلسات "المندرة" الدافئة بوعود الأمان إلى برودة الغرف التي يسكنها الشك، حيث يحاول سالم الهروب من حقيقته المرة كابن للعمدة يطارد سراباً من القوة الزائفة. الخيانة في هذا العمل ليست فعلاً مفاجئاً، بل هي تراكم من الغفلة والظن بأن السطوة تحمي صاحبها من غدر الزمان. وحين يغسل العمدة يديه بعد إفطاره الشهي، متوجهاً إلى العصارة، لا يدرك أن خطواته هي ما يسوقه نحو نهاية الحكاية، حيث لا تنفع الحكمة بعد فوات الأوان. يتركنا الكتاب أمام مشهد إنساني بليغ، يذكرنا بأن الغروب لا ينهي النهار فحسب، بل قد ينهي أعماراً ظنت أنها ستظل مشرقة في سماء السطوة، ليبقى السؤال المعلق في فضاء القرية الكئيبة: كيف يأمن الحاوي لدغ الحيات وهي تسكن في كمه؟ الدرس هنا لا يكتب بالكلمات، بل بالصورة القاسية لرجل خر صريعاً بضربة واحدة، لتنطوي معه صفحة من العز، وتشرق شمس الندم على وجوه تركت أبوابها مفتوحة للريح والعواصف.