ليلى والمجنون

عادت ليلى إلى بيت أبيها، لا كعروسٍ في ثوبها الأبيض، بل كجثمانٍ ملفوفٍ بكفنه، يحدوها يقينٌ بأن خروجها التالي سيكون نحو القبر. سبعة أشهرٍ حملت فيها جنينًا لم ترَ النور، فباتت بعد أن دخلته عذراءً، تعود إليه مثقلةً بذكرى ألمٍ وجسدٍ خالٍ. الحبسُ كان رفيقها؛ ستائرُ بيت أبيها الثقيلة حجبت عنها نور السمــاء، ومنعت عنها رفقة الطيور. حتى سقي نباتات البيت بات مشوبًا بحذرٍ، تحت عين أبيها الرقيبة. كانت السنوات تتشابه، أيامٌ يلتهمها الملل، وليالٍ يقطعها بكاءٌ مكتوم، أو تنهيدةٌ عميقةٌ تكاد تخنق روحها. لم تعرف ليلى الدفء والحنان إلا في بيت جدها، بين يدي جدتها وحضن عمها، بعد أن غاب الأب عن دفء تربيتها. ثم جاء موعدٌ آخر، خطبةٌ أُعدت لها، بين جدرانٍ ضاقت بها، وبين نظراتٍ ظنتها مجرد ظلالٍ عابرة، قبل أن تشرق شمسٌ أخرى لتدفئ قلبها. ليلى والمجنون
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiAxmaRGPMmLzYic8RaWFsQo6TAVmaH3opLvyMX6rv8TCXLutkLl57yrcUoaqPLr73bGhOxRepM5fYxv-eKNUWktslDy52E-aZSN9Zx3glcsWxltYmRcVgVcHdJFlaR-mz7lc9MwuEIToqS0VMPxu9JPFWvmK0MgFYFQTG1Mx7dNMV-h4h5AzuSkvaAJx4/s320/439.jpg

عادت ليلى إلى بيت أبيها، لا كعروسٍ في ثوبها الأبيض، بل كجثمانٍ ملفوفٍ بكفنه، يحدوها يقينٌ بأن خروجها التالي سيكون نحو القبر. سبعة أشهرٍ حملت فيها جنينًا لم ترَ النور، فباتت بعد أن دخلته عذراءً، تعود إليه مثقلةً بذكرى ألمٍ وجسدٍ خالٍ. الحبسُ كان رفيقها؛ ستائرُ بيت أبيها الثقيلة حجبت عنها نور السمــاء، ومنعت عنها رفقة الطيور. حتى سقي نباتات البيت بات مشوبًا بحذرٍ، تحت عين أبيها الرقيبة. كانت السنوات تتشابه، أيامٌ يلتهمها الملل، وليالٍ يقطعها بكاءٌ مكتوم، أو تنهيدةٌ عميقةٌ تكاد تخنق روحها. لم تعرف ليلى الدفء والحنان إلا في بيت جدها، بين يدي جدتها وحضن عمها، بعد أن غاب الأب عن دفء تربيتها. ثم جاء موعدٌ آخر، خطبةٌ أُعدت لها، بين جدرانٍ ضاقت بها، وبين نظراتٍ ظنتها مجرد ظلالٍ عابرة، قبل أن تشرق شمسٌ أخرى لتدفئ قلبها.

ليلى والمجنون مجموعة قصصية 439 284 يوليو 2020 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgzMu3vB0uwH3TLrBys9ZCwSbZVcDMLF7_7d3bRK5E7T7UCYRykThVvXk4UQdIsK_mIRqj4vqs18acYs9HAtfp3sj7EWOGRtXehBwQ1brBiW8Z79jerzyR4SF0ZsnPad0wNr_nTngOwrpNHVth-D9xkM6HKEraegLCXzdYNvy3TsrKuS6i7fCEQS87vJDc/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

عادت ليلى إلى بيت أبيها، لم تعد ترتدي فستان زفافها الأبيض الذي خرجت منه قبل سبعة أشهر، بل عادت إليه ككفن، محملة على أكتاف الحياة إلى مثواها الأخير. لم تكن تلك الأشهر سوى سراب مؤلم، فقدت فيه ثمرة زواجها، خرجت عذراء وعادت ثيبًا. لم يعد أمامها سوى بيت أبيها، وجنين في أول خلقه، وإلا لكانت مأساتها أكبر. منذ ذلك الحين، عاشت حياة مقيدة، ممنوعة من الخروج، من رؤية العالم، من حتى إلقاء نظرة على أطفال أبيها يلعبون في الشارع. سُجنت خلف ستائر مسدلة، كطائر حبيس لا يرى سوى قضبان قفصه.

تزوجت ليلى من جمع، عمها الذي ربّاها بعد وفاة أمها. كان جمع رجلًا يحمل على عاتقه ثقل العائلة، فقد أمه في سن الرابعة، وعاش يتيمًا في بيت جده. حين طلب والد ليلى يدها لابنه، وافق جمع على مضض، رافضًا أن يكسر خاطر ابن أخيه في يوم كهذا. قضت ليلى أيام خطوبتها الأولى عند أمها، استعدادًا للزفاف. لم يرها جمع سوى لحظات قليلة، اختطفها من أمها بتوسلاتها، خوفًا من أن يعلم عمها فيقيم الدنيا ويقعدها. أذعنت الأم لتوسلات جمع، حتى تترك لهما فرصة، ولو قليلة، ليقتربا من بعضهما، ويذيبا الثلج بين قلبيهما. كانت تلك اللحظات كافية لتكون ليلى سعيدة، يشرق وجهها بالبشاشة، ويكاد الفرح يطير به.

لكن الأيام سرعان ما انقلبت، وتحول الحب إلى نزوة، والوعود إلى سراب. وقف جمع أمام ليلى، متحجرًا، متبلدًا، باردًا. كل ما جادت به نفسه أن قال: "لقد قضيت وقتًا ممتعًا معك، أجبك علمًا، كل ما فعلته معك كان بحريتك، بوعيك، بإرادتك، وبإرادتي". ردت ليلى: "كان ذلك كله بدافع حبي لك ووعودك لي بأن يرقى زواجنا إلى النور بعد نهاية دراستنا". أجاب جمع: "ليستطيع تحمّس زواج، هذا الموضوع نهائي، إما أن تسمي الآن، أو أن تنسى المتع الزواج". قالت ليلى: "هكذا بكل بساطة.. إنني فعلاً حمقاء لأنني خدعت فيك وظننت أنك تحبني". رد جمع: "لقد عشّنا الحب أيامًا جميلة، فلنودع بعض بهدوء وسام، كما أودع كليتنا. أتمنى أن يحظى لكِ زوجًا سعيدًا، يكفينا ما عشناه سويًا من أيام جميلة". قالت ليلى: "جميلة؟" أجاب: "نعم أو تنكرينها". قالت: "لا أنكرها، ولكن لنجعلها جميلة دائمًا بخطوة صحيحة وجادة منك". أجاب: "لا أستطيع".

قالت: "لا تستطيع؟" أجاب: "نعم، وأنت من الآن حرة". قالت: "حرة؟ بعدما سلبتني باسم الحب أعز ما أملك وتقول حرة. بعدما قيدتني بقيودك وتقول حرة.. بعدما أكلت لحمي ومصمصت عظامي وتقول لي أنت حرة..". قاطعها وهو يهم بالانصراف: "كل ذلك كان بمحض إرادتك". قالت: "نعم كان بإرادتي لأني أحبك". أجاب: "وعشنا الحب". قالت: "تقصد عشنا النزوة". قال: "نزوة.. حب أيًا كان.. لننفصل الآن ويذهب كل منا إلى حال سبيله". قالت: "حال سبيله". قال: "نعم". قالت: "حسبي الله ونعم الوكيل". واندفعت نحوه غاضبة وجذبته من كتفه وأدارته نحوها وعيناها غارقتان في الدموع.