كولة أبو ليلة

في قلبِ الصحراءِ المصريةِ، حيثُ تختبئُ الأسرارُ خلفَ صخرةٍ أو تحتَ بئرٍ، يقرّرُ "مراد" أنْ يُخاطرَ بحياتهِ ليُحققَ فضولَه نحوَ مكانٍ أسطوريّ: "كولة أبو ليلة". برفقةِ صديقِه "حماد"، ينطلقُ في رحلةٍ لا تشبهُ أيَّ رحلة، حيثُ يلتقيانِ بقبيلةٍ بدويةٍ تعيشُ وفقَ قوانينَ الطبيعةِ والنجوم، ويواجهانِ مخاطرَ لا تخطرُ على بال، من سحالي ذهبيةٍ سامة، إلى آبارٍ مسكونةٍ تختفي وتظهرُ بفعلِ سحرٍ قديم. ليستِ الرحلةُ مجردَ بحثٍ عن كنزٍ مدفون، بل هي غوصٌ في أعماقِ الحكمةِ البدويةِ المنسية، واكتشافٌ لطرقِ العيشِ النقيةِ التي فقدناها، حيثُ يصبحُ البطلُ بينَ لحظةٍ وأخرى، ليس مجردَ زائرٍ، بل جزءاً من حكايةٍ كانتْ تنتظرهُ منذ الأزل. كولة أبو ليلة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgu6wCDOP5ysZXzvcGDoWvqEKdxjDdCaWgPGZoMC4_V43gYfYPic-nRAGkXPaoFWkqArBWpGnq2AflO4ViQmGloYcqrZE7HGa1q9GrCL5KTU9x_YGL8AlaSDPmZMsUF-rCubKtZtnYaBSQHbOqmtauG009CzdK0xW_ChbSBoXIyuBmSjS5eb2SiP13pIdA/s320/536.jpg

في قلبِ الصحراءِ المصريةِ، حيثُ تختبئُ الأسرارُ خلفَ صخرةٍ أو تحتَ بئرٍ، يقرّرُ "مراد" أنْ يُخاطرَ بحياتهِ ليُحققَ فضولَه نحوَ مكانٍ أسطوريّ: "كولة أبو ليلة". برفقةِ صديقِه "حماد"، ينطلقُ في رحلةٍ لا تشبهُ أيَّ رحلة، حيثُ يلتقيانِ بقبيلةٍ بدويةٍ تعيشُ وفقَ قوانينَ الطبيعةِ والنجوم، ويواجهانِ مخاطرَ لا تخطرُ على بال، من سحالي ذهبيةٍ سامة، إلى آبارٍ مسكونةٍ تختفي وتظهرُ بفعلِ سحرٍ قديم. ليستِ الرحلةُ مجردَ بحثٍ عن كنزٍ مدفون، بل هي غوصٌ في أعماقِ الحكمةِ البدويةِ المنسية، واكتشافٌ لطرقِ العيشِ النقيةِ التي فقدناها، حيثُ يصبحُ البطلُ بينَ لحظةٍ وأخرى، ليس مجردَ زائرٍ، بل جزءاً من حكايةٍ كانتْ تنتظرهُ منذ الأزل.

كولة أبو ليلة رواية 536 126 مارس 2021 no محمود سلامه بخيت كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjAz3J4F_NR22EPKU95ecmmEvV4nSGGrHBq2ywdZLShyphenhyphen6N_6M4idTIlhBNiseoKwTT_F7OO0ufuMmpQ_iWpS4TDAMqOcEvAJvhUmfcXWXOkrSW9IaqDNIhnBfxz6yFzMHeFOoKP_scwvMvaW3id93bMNOGvPWcqllPFgBLx1tlS-wnaNUdgmEtxXMcvZKk/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%87-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%AA.jpg

تبدأُ روايةُ محمود سلامة بخيت "كولة أبو ليلة" بفضولٍ أكاديميّ بحت؛ فالبطلُ "مراد"، الشابُّ المثقفُ الذي ينهي دراستهُ ويعشقُ الاستماعَ إلى حكاياتِ كبارِ السن، يقررُ أنْ يزورَ مكاناً غامضاً في قريتهِ يُعرفُ بـ"كولة أبو ليلة". يروي له صديقُه "حماد" قصّةَ جدّه الذي اختفى في هذا المكانِ منذ أربعين عاماً، وأنَّ أسرارَ الكولةِ تكمنُ في "بئرٍ خفيّ". هذه المعلومةُ هي الوقودُ الذي يدفعُ مراداً لخوضِ المغامرة، رغمَ تحذيراتِ حمادِ وتردده. تنطلقُ الرحلةُ الأولى إلى الكولة، حيثُ يواجهانِ صعوباتِ الطريقِ وحرّ الصحراءِ القاسي، ليبلغا المكانَ في اليومِ الثاني.

اللقاءُ الأولُ مع (العم صديق)، الرجلِ العجوزِ الذي يسكنُ قمةَ الجبل، هو نقطةُ التحولِ في الرواية. صديقٌ هذا ليس مجردَ حارسٍ للمكان، بل هو حافظُ أسرارِ الكولةِ، والذي يكشفُ لمرادٍ عن وجودِ عالمٍ آخرَ تحتَ سطحِ الأرض، عالمٍ تسكنُهُ قبائلُ "المتاقنة" الذين يعيشونَ في وادٍ خفيّ، وتُدارُ حياتهم وفقَ قوانينَ بدائيةٍ لكنها متقنة، بعيدةٍ عن تلوثِ الحضارةِ الحديثة. يروي صديقٌ قصّةَ اختفاءِ ابنه "عاصم" الذي يعيشُ الآنَ بينَ المتاقنة، ويطلبُ من مرادٍ أنْ يكونَ حلقةَ الوصلِ بينَ عوالمِ الشرقِ والغربِ المنسيَّة.

القسمُ الأكبرُ من الروايةِ يُخصّصُ لرحلةِ مرادٍ الثانية، حيثُ ينزلُ هو وحمادٌ ومعهمَ العم صديق إلى البئرِ الخفي، ليعبروا نفقاً طويلاً ويصلوا إلى مملكةِ "المتاقنة". 

هنا، يتحولُ النصُّ من سردٍ مغامراتيٍّ إلى رحلةِ اكتشافٍ أنثروبولوجيٍّ ساحر. يعيشُ مرادٌ بينَ هذه القبيلةِ لأسابيعَ، ويتعلمُ منها كلَّ شيء: كيفيةَ صناعةِ الخبزِ في أفرانٍ طينية، واستخراجَ الزيوتِ من النباتاتِ يدوياً، وصناعةَ الأواني الفخاريةِ والحجرية، وطرقَ العلاجِ بالأعشابِ والبخارِ كعلاجِ "الشجرةِ العروس" للسيدات، وحتى طرقَ قياسِ الوقتِ بالشمسِ والنجوم. 

هذا الجزءُ من الروايةِ يحملُ نبرةً تعليميةً واضحة، حيثُ يُقارنُ الكاتبُ بينَ بساطةِ الحياةِ البدويةِ ونقائها، وبينَ تعقيداتِ الحياةِ العصريةِ وتلوثها.

لكنَّ الرحلةَ لا تخلو من الألمِ والخسارة. ففي أثناءِ البحثِ عن خرائطَ قديمةٍ تكشفُ سرَّ اختفاءِ البئرِ وظهوره، يُصابُ "عدن"، خبيرُ الخرائطِ في القبيلة، بسمِّ حيوانٍ صحراويّ ويموتُ. 

هذه الخسارةُ تُذكّرُ مراداً وحماداً بأنَّ المعرفةَ تُدفعُ ثمنها غالياً. وبمساعدةِ "بالل" كبيرِ المتاقنة، يواصلانِ البحثَ ويصلانِ في النهايةِ إلى حلّ: أنَّ البئرَ يُفتَحُ ويُغلقُ بفعلِ نظامٍ صخريّ طبيعي، وأنَّ طريقةَ الخروجِ من هذا العالمِ السفليّ تكمنُ في بناءِ سلمٍ خشبيّ طويلٍ داخلَ النفق.

الروايةُ لا تكتفي برحلةِ البحثِ عن أسرارِ الكولة؛ بل تُضيفُ خطاً عاطفياً لطيفاً من خلالِ شخصيةِ "نوران"، الفتاةُ البدويةُ التي تُصابُ بالحزنِ الشديدِ عندَ رحيلِ مراد. وفي نهايةِ الرواية، وبعدَ نجاحِ مرادٍ وحمادٍ في العودةِ إلى قريتهما، ثمَّ عودتِهما مرةً أخرى إلى المتاقنة لاستكمالِ ما بدآه، تتوجُ القصةُ بزواجِ مرادٍ من نوران، وكأنَّ الكاتبَ يريدُ أنْ يقولَ إنَّ الاكتشافَ الحقيقيَّ ليس فقط في المعرفةِ الجغرافية، بل في الاندماجِ معَ الآخرِ وتقديرِ قيمتِهِ. 

هكذا، تتحولُ "كولة أبو ليلة" من مجردِ مكانٍ غامضٍ إلى رمزٍ للبحثِ عن الحكمةِ المفقودةِ والعدالةِ البدائية، في رحلةٍ تعيدُ للقارئِ العربيِّ ذاكرةَ الحكاياتِ الشعبيةِ التي تُروى على ضوءِ القمر.