غابة التعاويز السبعة - ملوك وتيجان

الأسدُ يرى الضعيفَ قوةً ترتكزُ عليه، وركيزةً تستندُ إليها، أو يراهُ وليمةً جاهزةً لا تتطلبُ جهدًا. هذا ما ترويهُ صفحاتُ "ملوك وتيجان"، التي تتكشفُ فيها ممالكُ الغابة، كلٌّ يحملُ اسمَ حاكمه: مملكةُ نيبو الأسد، مملكةُ راثا الأفعى، ومملكةُ تازي الطاووس. في قلبِ الغابة، تتربعُ مملكةُ نيبو، مرجٌ أخضرٌ خصبٌ، وجبالٌ ووديانٌ تزينها الينابيعُ المتدفقةُ والجداولُ الرقراقة. هي جنةُ الأرضِ، حلمٌ يراودُ كلَّ سكانِ الغابة، تنمو فيها الحضارةُ والفنونُ والعلومُ، وتُبنى فيها المدارسُ والمسارحُ والمكتباتُ. هذا النهرُ العظيمُ، نهرُ الحياة، ينسابُ من الشمالِ، يغذي الأرضَ ويُنبِتُ الحياة، مصدرٌ لا ينضبُ لنجاحِ كلِّ مملكةٍ. غابة التعاويز السبعة - ملوك وتيجان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjqMgg_zGRA38v8mpjGyhCAKq4ESzGw-u0tVMoXl4OogNR0x9NhxO-z47K7d_iZP9yquoIba3q2Zu82zI-bQDb1pqyD4lbdjM062t3NgYGNRLP8cigomcktctZ_ZQ2MqmpDbvjYBtL69-6GrJ5_Uahgs30pTLqpqy7fO4tQrfeyDMt5n1qnmpYweuvzMBM/s320/281.jpg

الأسدُ يرى الضعيفَ قوةً ترتكزُ عليه، وركيزةً تستندُ إليها، أو يراهُ وليمةً جاهزةً لا تتطلبُ جهدًا. هذا ما ترويهُ صفحاتُ "ملوك وتيجان"، التي تتكشفُ فيها ممالكُ الغابة، كلٌّ يحملُ اسمَ حاكمه: مملكةُ نيبو الأسد، مملكةُ راثا الأفعى، ومملكةُ تازي الطاووس. في قلبِ الغابة، تتربعُ مملكةُ نيبو، مرجٌ أخضرٌ خصبٌ، وجبالٌ ووديانٌ تزينها الينابيعُ المتدفقةُ والجداولُ الرقراقة. هي جنةُ الأرضِ، حلمٌ يراودُ كلَّ سكانِ الغابة، تنمو فيها الحضارةُ والفنونُ والعلومُ، وتُبنى فيها المدارسُ والمسارحُ والمكتباتُ. هذا النهرُ العظيمُ، نهرُ الحياة، ينسابُ من الشمالِ، يغذي الأرضَ ويُنبِتُ الحياة، مصدرٌ لا ينضبُ لنجاحِ كلِّ مملكةٍ.

غابة التعاويز السبعة - ملوك وتيجان رواية 281 144 سبتمبر 2019 yes 201091985809 كريم محمد أبو العينين كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEg2bbxJtsk6FwmiMTYczyzRt8h2ERS3XGrxfAC2nsAvUqqeIt8YTSON6-CyKSj7JGBqxSpr2n2HGjVQTUz0nt9VuF5ycje8eCcXNxIXyb6wT69Py1Jxe2RzXVT2UQxFSGNsR8Ijag_R-35abqrtMB-BUvO2i07BRB2j4jkU_dlwhmz0xEQ0a_xypavNYDQ/s800/%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86.jpg

تنهض أسطورة "ملوك وتيجان" من قلب الغابة التي رسم ملامحها الكاتب كريم محمد أبو العينين، لتقدم لنا عالمًا يتجاوز حدود الحكاية الخرافية إلى فضاءات الفلسفة السياسية والاجتماعية. تبدأ الحكاية من "نيبو"، ذلك الأسد الذي شيد مملكة ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي مدينة فاضلة تسبح في أنهار العلم والطب والموسيقى، حيث تغدو القوة في خدم الضعفاء لا سوطًا على ظهورهم. إنها "جنة نيبو" التي تتوسط الغابة كقلب يضخ الحياة عبر نهر "شارم"، المحاطة بممالك أخرى يحكمها التباين الأخلاقي، كمملكة "راثا" الأفعى و"تازي" الطاووس. هذا التكوين الثلاثي يذكرنا بما قاله الفيلسوف توماس هوبز عن طبيعة الصراع البشري، لكن الكاتب يلبس هذه الصراعات فراء الحيوانات وريش الطيور ليجعل الدروس أكثر نفاذًا إلى الوجدان وأقل قسوة في وقعها المباشر.

تتحرك الشخصيات في هذا الفضاء الفانتازي بين البراءة والمصير المحتوم، فنجد صغار الحيوانات "يويا" الغزالة و"مادو" الفيل و"مار" و"دوجا" يمارسون لعبتهم البريئة في الاختباء، غير مدركين أن الغابة تخبئ لهم اختبارات تفوق أعمارهم الغضة. حين يختار "مار" الاختباء في عُش نسر، فإنه لا يواجه طائرًا غاضبًا فحسب، بل يواجه الحقيقة العارية بأن لكل مكان سيدًا، وأن الجهل بالقواعد لا يعفي من مغبة الصدام مع القوى الكبرى. هذا المشهد يصور ببراعة كيف يمكن للفضول الإنساني، أو الحيواني في سياق النص، أن يقود الكائن إلى حافة الخطر حين يسيء تقدير المسافات بين الأمان والمغامرة، وهو ما ينسحب على كافة صراعات السلطة التي تدور في خلفية الأحداث.

يبرز التمساح "كوندة" كشخصية تراجيدية محملة بآلام المنفى ومرارة الاتهام بالجبن، وهو الذي يحمل ندبة غائرة على ظهره تذكره دائمًا بالثمن الذي يدفعه المرء مقابل حريته. يقف كوندة أمام حدود مملكة نيبو، يواجه "كلاب النار" التي لا تعرف سوى الطاعة العمياء لسيدها، في مشهد يختزل صراع الهوية والانتماء. إن كوندة لا يحارب أعداءً ملموسين فقط، بل يحارب الصورة الذهنية التي رسمتها الأفعى "راثا" عنه، محاولًا إثبات أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على حماية الأحباء لا في الهروب من المواجهة. هذه اللحظات الدرامية تعيد تأطير مفهوم البطولة؛ فالبطل هنا ليس من لا يخاف، بل هو من يمضي قدمًا رغم الأثقال التي تنهش روحه، ورغم علمه بأن كل خطوة قد تكلفه حياته أو حياة عائلته.

يتدفق السرد في الرواية بسلاسة تجعل القارئ يشعر بأن الغابة كائن حي يتنفس، حيث الجداول والورود والمكتبات تشكل نسيجًا حضاريًا يقاوم وحشية الطبيعة الخام. إن الصراع بين "ملك يرى الضعيف قويًا به" وآخر "يراه طعامًا له" هو الثنائية الأزلية التي حكمت التاريخ البشري منذ فجره الأول، وكأن الكاتب يستحضر رؤى نيتشه حول إرادة القوة لكنه يهذبها بمسحة من الأخلاق الفروسية. الرواية في جوهرها هي محاولة لترميم القيم العظيمة التي يخشى المؤلف ضياعها، مقدمًا إياها كإرث لأبنائه، تمامًا كما كان الأسد نيبو يحاول توريث حضارته لغابة تموج بالتعاويذ والشرور.

تنتهي الرحلة في الجزء الأول من "غابة التعاويذ السبع" عند تخوم الأسئلة الكبرى حول العدالة والولاء، حيث يظل السؤال معلقًا بين أنياب التماسيح وهيبة الأسود ومكر الأفاعي. لا يقدم أبو العينين وعظًا مباشرًا، بل يترك الصور تتحدث؛ فصوت النباح الشرس لكلاب النار أمام هدوء كوندة الرصين يجسد المواجهة بين المؤسسة العسكرية الصارمة وبين الفرد الباحث عن الخلاص. إنها ملحمة تذكرنا بأن التيجان لا تصنع الملوك، بل المواقف هي التي تصقل الذهب في النفوس، وأن الغابة مهما اتسعت تظل ضيقة أمام من لا يملك في قلبه نورًا يهتدي به في ممراتها المظلمة. يخرج القارئ من هذه التجربة وهو يدرك أن التعاويذ الحقيقية ليست كلمات سحرية تقال، بل هي الأفكار التي نختار أن نؤمن بها ونحيا لأجلها.