كأولين

هل جربت يوماً أن تسير وحيداً في ليلٍ مطير، ولا يقطع سكونك سوى همس المطر؟ هل غامرت بعينيك لتتسرح في عوالم أخرى، على أرضٍ تقف عليها الآن، ولكنها قبل أعوام كانت مسرحاً لأرواحٍ ربما ما زالت تسكن معك؟ كأنك صديقٌ لها، ستصبح يوماً ما غير مرئي، تراقب معها ساكناً جديداً، ثم تموت، وتأتي دائرةٌ أخرى. كيف يكون شعورك وأنت تتصفح صفحات التاريخ؟ هل سمعت صرخات الفرح في ثورةٍ ما، أم نبض قلبك بحزنٍ عميق؟ هذه الرواية رحلةٌ إلى تلك الأماكن التي تسكن بين ثنايا الذاكرة، حيث تتشابك الأرواح، وتتكرر حكايات الحب والفقد. إنها دعوةٌ لاستشعار أصداء الماضي التي لا تزال تتردد في حاضرنا، لتكشف عن تداخلٍ غامض بين ما كان وما هو كائن. كأولين
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEihRpxN1LTlMI-5lVLJGVjeXyb1uOGSFcrqE4AQaHcAevaiZ5A4jtnerTLfUS-rBvk9jYNrQ36TMGvSok0kIIbwus0WqRScZ2GPuG1pgJyXVSRmU-51cUkl-FLJipeASFwtVn2Ffgg-eoLmOOpOdFPgT4VE8NfJdIKiboiPHGUiZYWK5Enubrznk2TIwbQ/s320/356.jpg

هل جربت يوماً أن تسير وحيداً في ليلٍ مطير، ولا يقطع سكونك سوى همس المطر؟ هل غامرت بعينيك لتتسرح في عوالم أخرى، على أرضٍ تقف عليها الآن، ولكنها قبل أعوام كانت مسرحاً لأرواحٍ ربما ما زالت تسكن معك؟ كأنك صديقٌ لها، ستصبح يوماً ما غير مرئي، تراقب معها ساكناً جديداً، ثم تموت، وتأتي دائرةٌ أخرى. كيف يكون شعورك وأنت تتصفح صفحات التاريخ؟ هل سمعت صرخات الفرح في ثورةٍ ما، أم نبض قلبك بحزنٍ عميق؟ هذه الرواية رحلةٌ إلى تلك الأماكن التي تسكن بين ثنايا الذاكرة، حيث تتشابك الأرواح، وتتكرر حكايات الحب والفقد. إنها دعوةٌ لاستشعار أصداء الماضي التي لا تزال تتردد في حاضرنا، لتكشف عن تداخلٍ غامض بين ما كان وما هو كائن.

كأولين رواية 356 96 ديسمبر 2019 yes 201091985809 نورهان فوزي كاتبة مصرية

تتناثر أوراق الرواية كأوراق الخريف على أرصفة القاهرة، يحمل يوسف بين ضلوعه سرّين: كتابًا قديمًا يلاحقه كظلٍّ لم يُدفن، وحبًّا لنادين يختبئ خلف ستائر الصمت. تتداخل العوالم حين يكتشف أن جدران شقته العتيقة تحتفظ بأنفاس من سبقوه، أرواحٌ تهمس بأسرار ثورة المنسية عام 1919 بينما يكتب هو روايته الجديدة. كأنما الأوراق التي يخطّها بيد مرتعشة تستدعي أصداء الماضي، فتتلبسه ذكريات ليست له، وينكسر الزمن كمرآة تُظهر وجهين: ثائرًا من زمن مضى، وكاتبًا يعيش على هامش الحاضر.

في المقاهي الضيقة حيث يلتقي بنادين، تتحول قهوته الباردة إلى محكمة صغيرة. تنزع فتاة العشرين عامًا قناع التشكك عن عينيه: "الكتب لا تلعن الناس، بل الناس يلعنون أنفسهم بالخوف". لكن ظلّ الجملة الأخيرة في المخطوطة القديمة يطارده كشبح: "سيأتي يومٌ تموت فيه الكلمات، ويبقى الحب وحيدًا في الميدان". بينما تحاول نادين إنقاذه من دوّامة الوساوس، تكتشف أن قلبه محتجزٌ بين جدران ثلاثية الأبعاد: حبٌّ لصديقة لم يعترف لها، وذنبٌ تجاه أمٍّ رحملت سرًّا مزمومًا في صندوق خشبي، وصداقة مع رجل ميت يسكن شقته منذ أربعين عامًا.

على الجانب الآخر من المدينة، تتدفق قصة موازية كالنهر تحت الأرض. سميحة وجال، حبيبان من زمن الثلاثينيات، يعيدان تمثيل مشهد الوداع الأبدي كل ليلة في شقة يوسف. صرخاتهم المكبوتة تتسرب عبر شقوق الجدران، تذكّر الكاتب بأن الحب المدفون لا يموت، بل يتحول إلى وقود للكتابة. حين يقع يوسف في فخ المقارنة بين ماضٍ مجيد وحاضرٍ باهت، ترميه نادين بتحدٍّ: "اكتب بلغة الدم لا الحبر، فالرواية الحقيقية هي التي تلد نفسها من جراح كاتبها".

تتسارع الأحداث كقطار يجرّ عربات من الأسئلة: هل المخطوطة القديمة مجرد مرآة لروح كاتبها المكلوم؟ أم أنها خريطة تؤدي إلى كنزٍ منسي في قبو الجامعة؟ عندما يكتشف يوسف أن جال الحبيب القديم هو الجدّ الروحي لنادين، تتحول الرواية إلى دائرة كاملة. الكلمات تنتفض كالثوار في ميدان التحرير، والأسرار تتدفق من أعماق أرشيفات دار النشر العتيقة، بينما تظلّ الصفحة الأخيرة بيضاء كثلج، تنتظر أن يكتبها القارئ بدموعه.