عند الثانية فجراً

في عزّ ظلام الليل، وتحديداً عند الثانية فجراً، يبدأ الكابوس. ساعة حائط تتوقف عند تلك اللحظة بالذات، وعقاربها تطلق رنيناً يخرق الصمت، فيتحول حلم عادل الليلي إلى لعنة تلاحقه في يقظته. بين الواقع والكابوس، يتيه عادل في متاهة من الزمن المتشظي، حيث تختفي الندوب من وجهه لتظهر في مكان آخر، وحيث يجد نفسه داخل صفحات كتاب غامض، أو متقمصاً شخصية سجان في سجن تدمر السوري. رواية "عند الثانية فجراً" ليست مجرد حكاية رعب، بل نسيج معقّد من الذاكرة، والذنب، ووحشية التاريخ، حيث يتحول البطل من ضحية إلى جلاد، ومن نائم إلى كابوس يمشي على قدمين. إنها رحلة إلى أعماق الوعي والجنون، حيث لا فرق بين من يحلم ومن يستيقظ. عند الثانية فجراً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgwvgdWQbywx6nPCR4L-VxGxS8dFv6tFKw9lZQ90fwB7HU-0ZlO35vNZTcy7FYvybMld4UtbB_nf-rS9pQYisLrHrcgwN6m63Cb4E2nf6xqJVG58e_I4HxAYHf2zd1xr9dxOI8pmdo0k2TpawILLotARUAdMc4ES73FQ9zexNvgxkSxDc2N_r7dPLN3hxw/s320/685.jpg

في عزّ ظلام الليل، وتحديداً عند الثانية فجراً، يبدأ الكابوس. ساعة حائط تتوقف عند تلك اللحظة بالذات، وعقاربها تطلق رنيناً يخرق الصمت، فيتحول حلم عادل الليلي إلى لعنة تلاحقه في يقظته. بين الواقع والكابوس، يتيه عادل في متاهة من الزمن المتشظي، حيث تختفي الندوب من وجهه لتظهر في مكان آخر، وحيث يجد نفسه داخل صفحات كتاب غامض، أو متقمصاً شخصية سجان في سجن تدمر السوري. رواية "عند الثانية فجراً" ليست مجرد حكاية رعب، بل نسيج معقّد من الذاكرة، والذنب، ووحشية التاريخ، حيث يتحول البطل من ضحية إلى جلاد، ومن نائم إلى كابوس يمشي على قدمين. إنها رحلة إلى أعماق الوعي والجنون، حيث لا فرق بين من يحلم ومن يستيقظ.

عند الثانية فجراً رواية 685 220 يوليو 2022 yes 201091985809 رهام كريشان كاتبة فلسطينية

تمثل رواية رهام كريشان، الصادرة في 2022، عملاً طموحاً يمزج بين أدب الرعب النفسي والخيال السياسي، مستعيراً تقنيات السرد غير الخطي ليخلق عالماً موازياً يضغط على حدود العقل والذاكرة. تبدأ الحكاية مع عادل، الشاب الذي يجد نفسه أسيراً لكوابيس متكررة، كلها تبدأ في تمام الثانية فجراً وتنتهي بدمائه هو ذاتها، لكن الندبة التي تتركها في جبينه تختفي مع كل استيقاظ، لتحل محلها ندبة جديدة، وكأن جسده أصبح خريطة لعذاب لا ينتهي. ثم تتصاعد الأحداث حين تعثر أخته منال عليه ميتاً في غرفته، لكنه يُنعش بعد ذلك، ليكتشف أن الموت لم يكن سوى بداية لرحلة أعمق في متاهات الزمن والذاكرة.

يكشف الكتاب عن نفسه تدريجياً كلعبة ألغاز معقدة. يجد عادل كتاباً غامضاً، يرشده إليه عجوز ظهر في كابوسه، ليبدأ في حل شيفرات وأرقام تكشف عن حقائق مروعة عن صديق طفولته "علي"، الذي خانه ووشى به، وعن جرائم ارتكبها في حق آخرين. غير أن الكتاب ليس مجرد سجل للماضي، بل بوابة لعوالم أخرى، حيث ينتقل عادل بين أزمنة وأماكن مختلفة، متقمصاً شخصيات متعددة داخل سجن تدمر سيئ السمعة في سوريا، تارة كجلاد، وتارة أخرى كضحية، ليعيش مجازر حماه وتدمر بعينيه، ويتعرف على وحشية السلطة التي لا تتغير بتغير الوجوه. هذه المقاطع، التي تشكل القسم الأكثر إزعاجاً وقسوة في الرواية، تتحول إلى شهادة أدبية على الصراع السوري، وتطرح سؤالاً عن التواطؤ الفردي والجماعي في آلة القمع.

غير أن الرواية لا تستقر عند حدود التاريخ السياسي، بل تنزلق إلى فضاءات أكثر غموضاً، حيث تصبح لعبة الألغاز والشيفرات هي السارد الحقيقي. يقضي عادل فصولاً طويلة وهو يحل رموز الكتب، ويبحث عن حروف مفقودة، ويعيد ترتيب صفحات متناثرة، وكأن الكاتب يختبر قدرة القارئ على تحمّل هذا الكم من التحدي الذهني. هذا البناء الروائي، الذي يستدعي أدب الألغاز وألعاب العقل، يقود القارئ إلى التساؤل عن جدلية الحلم واليقظة، وعن ما إذا كان عادل يعيش في واقع واحد أم في عدة عوالم متوازية. كل حل لغز يقربه أكثر من الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه يبعده عنها، وكل إجابة تفتح باباً لألف سؤال جديد.

في خضم هذا التيه، تظهر شخصيات محورية كعلي، وعزيز، والعجوز الغامض، الذين يلعبون أدواراً متقلبة بين ناصح ومخادع، بين صديق وعدو. يصل السرد إلى ذروته حين يقتل عادل من حوله واحداً تلو الآخر: أمه، أباه، أخته منال، أخاه صهيب، كل ذلك ليكسر لعنة الكتاب ويعود إلى الحياة الواقعية. لكن النهاية، التي تبدو كخلاص، تنقلب إلى بداية جديدة، حيث يكتشف عادل أن لعنة الساعة الثانية فجراً لم تزل، بل انتقلت إلى أخيه صهيب، الذي يعثر عليه ميتاً في غرفته، ليدرك عادل أن الدورة مستمرة، وأن الموت والولادة في هذه الرواية ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: الهروب من الذات.