لم تكن صدفة بل كانت قدراً

تتصادف نظراتكما في مكتبة، فيرتدّ قلبك إلى الوراء عشر سنوات. إنه هو، لكنه ليس هو. ذاك الطفل الذي نشأت معه، الذي جرح وجهه ذات شتاء بماء مغلي، الذي أحببته بصمت وظللت تهربين من حبك له وإليه. "لم تكن صدفة بل كانت قدراً" ليست مجرد رواية عاطفية، بل معركة داخلية بين أربعة أصوات: وعد التي تخاف من حبها لابن خالتها علي، وعلي الذي يبتعد لأنه يحبها أكثر مما تستحق، وسلطان الذي يكتشف فجأة أن الغرور لا يحمي من الحب، وفاطمة الأم التي تحمل سراً لن يفضحه إلا الموت. هنا لا أبطال مثاليين، كلهم هشون، كلهم يخطئون، وكلهم يدفعون الثمن. علاقات ملتبسة بين الأخوة والحب، صدمات تكشف أن الأب ليس أباً، وأم ليست أماً، وطفل يأتي ليكون المعجزة التي تشفي السرطان. تداخل الأصوات يخلق لوحة سوريالية عن الحب في زمن القطيعة. لم تكن صدفة بل كانت قدراً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjIV-nyQhezO4-G2GzWru-OPfeahanFRV6WgWBThMsm5D1uCyQqhwJVBrnbSb2Izs5EszseRQxDq42XpPCtBSdVI0OiUKiACmY2GfLmH9Y9Z0W0H2efQ_djdcFCGUofR3WbHgyn2gA6li2q_9zXp8eMwetyvPPhyphenhyphenCQ6iUwmPEZxljdej_oEJzWV706RiDY/s320/495.jpg

تتصادف نظراتكما في مكتبة، فيرتدّ قلبك إلى الوراء عشر سنوات. إنه هو، لكنه ليس هو. ذاك الطفل الذي نشأت معه، الذي جرح وجهه ذات شتاء بماء مغلي، الذي أحببته بصمت وظللت تهربين من حبك له وإليه. "لم تكن صدفة بل كانت قدراً" ليست مجرد رواية عاطفية، بل معركة داخلية بين أربعة أصوات: وعد التي تخاف من حبها لابن خالتها علي، وعلي الذي يبتعد لأنه يحبها أكثر مما تستحق، وسلطان الذي يكتشف فجأة أن الغرور لا يحمي من الحب، وفاطمة الأم التي تحمل سراً لن يفضحه إلا الموت. هنا لا أبطال مثاليين، كلهم هشون، كلهم يخطئون، وكلهم يدفعون الثمن. علاقات ملتبسة بين الأخوة والحب، صدمات تكشف أن الأب ليس أباً، وأم ليست أماً، وطفل يأتي ليكون المعجزة التي تشفي السرطان. تداخل الأصوات يخلق لوحة سوريالية عن الحب في زمن القطيعة.

لم تكن صدفة بل كانت قدراً رواية 495 148 أكتوبر 2020 yes 201091985809 دعاء شحرور كاتبة سورية

تبدأ رواية "لم تكن صدفة بل كانت قدراً" لدعاء شحرور بمشهد افتتاحي في مكتبة، حيث تصادف وعد شخصاً يشبه حبيب طفولتها علي إلى حد التطابق، غير أن الحروق التي كانت سمة وجهه اختفت.

من هنا ينفتح السؤال الأول: هل هو فعلاً علي، أم أن الحب يعمينا ويرينا الغرباء وكأنهم نسخ عن من نحب؟

إذن، البنية السردية تعتمد على تعدد الأصوات، فكل فصل يمنح شخصية مختلفة فرصة سرد الأحداث من زاويتها، مما يخلق صورة بانورامية معقدة للعلاقات الإنسانية.

على هذا الأساس، نعرف أن علي ووعد تربيا معاً في حي دمشقي، حيث كانت عائلتيهما قريبتين، والأمومة مشتركة بين فاطمة أم وعد وزينب أم علي.

بيد أن علاقة وعد وعلي لم تكن أخوية خالصة أبداً، بل مشحونة بمشاعر مكتومة يخاف كل منهما من البوح بها، لتبقى في منطقة رمادية بين الأبوة والحب المحرم اجتماعياً.

وفي طفولتهما، يتعرض علي لحادثة مروعة: أم وعد فاطمة تسكب عليه ماءً مغلياً بالخطأ، تاركة حروقاً في وجهه وجسده تغير نظرته إلى نفسه وتفقده ثقته.

ومن ثم يبدأ علي في الانسحاب التدريجي، معتقداً أنه أصبح قبيحاً لا يستحق وعد، ومتخوفاً من أن نظرات الشفقة التي يراها في عيون الآخرين ستراها هي أيضاً يوماً ما.

في المقابل، تظهر وعد كفتاة خجولة هادئة لكنها تملك جرأة مفاجئة حين تضطر للدفاع عن علي، كما تفعل في المدرسة عندما تصفع سلطان بعد أن نادى علياً بـ"المشوه".

غير أن سلطان ليس عدواً بالمعنى التقليدي، بل هو الوجه الآخر للقصة: شاب ثري يعاني من برود عائلته وانعدام الحنان، يقع في حب وعد عندما يرى حمايتها الشرسة لعلي.

ثم تتشابك الخيوط: سلطان يحب وعد، ووعد تحب علي، وعلي يحب وعد لكنه يبتعد، وسلطان يكتشف أن مريم ابنة المسؤول تحبه هي الأخرى، لكنه لا يراها.

بل إن كل شخصية تعاني من نوع خاص من الصراع الطبقي والأسري: علي من حروقه ووضعه الاجتماعي المتواضع، ووعد من خجلها وخوفها من الرفض، وسلطان من أغلال عائلته التي تخطط لزواجه بمريم لمصالحها.

وعلى هذا المسرح المتوتر، تدور الأحداث إلى أن تصل القصة إلى ذروتها الأولى: سلطان يخطب مريم رغماً عنه، وعلي يخطب فتاة أخرى ظناً منه أنه يحرر وعد من حبه المريض، ووعد تقرر السفر إلى لندن دون وداع.

لكن الغريب أن القدر كان يخبئ كشفاً أكبر: وعد تكتشف في لندن أنها مصابة بالسرطان، وتقرر العودة إلى دمشق لتموت بين أحضان من تحب.

وفي العودة، تنكشف الأسرار تدريجياً: فاطمة ليست أم وعد الحقيقية، بل تبنّتها من امرأة حامل من عاشق تركها، خوفاً من أن تُقتل الطفلة أو تعيش كـ"لقيطة" في مجتمع قاسٍ.

وعلي الذي أخفى حبه سنوات طوالاً، كان يعرف هذا السر قبل أن تعرفه هي، وكان يخاف أن تخجل منه لأنه يعرف، أو أن تكره أمها التي ربتها.

ثم تموت الأم البيولوجية في حضن وعد بعد أن تصالحتا، وتنجو وعد من السرطان بأعجوبة، وتحمل بطفلة تشفيها تماماً، وتتزوج من علي، وينجبان طفلة يسميانها "وعد".

بهذه النهاية الدائرية، تثبت الكاتبة أن العنوان ليس صدفة: كل شيء كان قدراً، من لقاء الأمهات في عيادة الإجهاض، إلى الحروق التي غيرت علي، إلى المرض الذي كشف الحقيقة، إلى الطفل الذي جاء ليكون المعجزة.

وهكذا، تتحول الرواية من قصة حب كلاسيكية إلى تأمل في الأبوة البيولوجية مقابل الأبوة العاطفية، وفي فكرة أن العائلة لا تُصنع بالدم فقط بل بالاختيار والحب والمسؤولية.

لكن الأجمل في الرواية أنها تمنح صوتاً لكل شخصية، فسلطان الذي بدأ شريراً يتحول إلى صديق وفيّ، وفاطمة الأم المتبنية التي ظنت أنها أنقذت وعد من جحيم "اللقب" تصبح ضحية لإنسانيتها.

كما أن مريم تتحول من منافسة سطحية إلى زوجة تحب سلطان بصدق، وعلي يخضع لعمليات التجميل ليس ليمحو حروقه بل ليعيد بناء ثقته بنفسه.

في النهاية، تترك الكاتبة رسالة واضحة: لا تنتظر المرض لتعرف كيف تعيش، ولا تخف من الحب لأنه أحياناً يكون الدواء الوحيد، وتذكر أن داخل كل شر يكمُن خير عظيم، ربما لم تره بعد.