قمر إسرائيل

ليس السجن أقسى ما يواجه الإنسان، بل أن يجد نفسه في زنزانة لا تميز بين الجلاد والضحية. في "قمر إسرائيل"، تقودنا د. نسيمة زمالي إلى أعماق معتقل سري يلتقي فيه صحفي فلسطيني بهكر جزائري، ليكتشفا أن أوجاع الأمة العربية واحدة، وإن تعددت لهجاتها وأسماء سجونها. بين قضبان هذا القمر الذي لا يطلع إلا على العتمة، تتكشف حكايات لا تروى: طفلة فلسطينية تختارها الموت كي يشمها، أم جزائرية كانت جبلًا في وجه المستعمر، وحب ينمو في قلب منفي ثم يُقتطع كما تُقتطع الجذور. بأسلوبٍ يسيل كالنحيب ويتوهج كالغضب، تنسج الروائية سرديةً تتجاوز الحدود الجغرافية، لترسم خريطة الألم العربي بأسره، وتطرح سؤالًا يظل معلقًا في فضاء السجن: متى ينتهي هذا القمر الأسود؟ ليس هذا كتابًا عن فلسطين فحسب، بل عن كل أرضٍ نهبت، وكل إنسانٍ قُتل مرتين: مرة بالرصاص، وأخرى بالصمت. قمر إسرائيل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjLl1qDdjReaH8Fi3C4mjiLAqCoXrQ5rEBghcPwbhBE7EipnWfmU9cCDtAjheHgYAf4JRxDbtztUjfgJP5oyAEifIYVohosCJbzpvRNR0nh7ARRXd4VaAYCKsPWsRmZph_t9c4TUJHsRd1PdXuUzGMDiGrXMfmVxLhRa9yoFZlvOgP5hyphenhyphenhj5589_pUDSSQ/s320/539.jpg

ليس السجن أقسى ما يواجه الإنسان، بل أن يجد نفسه في زنزانة لا تميز بين الجلاد والضحية. في "قمر إسرائيل"، تقودنا د. نسيمة زمالي إلى أعماق معتقل سري يلتقي فيه صحفي فلسطيني بهكر جزائري، ليكتشفا أن أوجاع الأمة العربية واحدة، وإن تعددت لهجاتها وأسماء سجونها. بين قضبان هذا القمر الذي لا يطلع إلا على العتمة، تتكشف حكايات لا تروى: طفلة فلسطينية تختارها الموت كي يشمها، أم جزائرية كانت جبلًا في وجه المستعمر، وحب ينمو في قلب منفي ثم يُقتطع كما تُقتطع الجذور. بأسلوبٍ يسيل كالنحيب ويتوهج كالغضب، تنسج الروائية سرديةً تتجاوز الحدود الجغرافية، لترسم خريطة الألم العربي بأسره، وتطرح سؤالًا يظل معلقًا في فضاء السجن: متى ينتهي هذا القمر الأسود؟ ليس هذا كتابًا عن فلسطين فحسب، بل عن كل أرضٍ نهبت، وكل إنسانٍ قُتل مرتين: مرة بالرصاص، وأخرى بالصمت.

قمر إسرائيل رواية 539 126 مارس 2021 yes 201091985809 د. نسيمة زمالي كاتبة جزائرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgRqe_TEZn1h_Jmepj2aOziix06AHhi8tN4CGLsS_QnXFzOmApNuo6LZmv19-GGitdJQEu7cVN7EIAOX3fN757qwjG7ZHoG5w6XXbjOM5K4WBe6sT89JKGtGhCIJYDkU-xzp_KK_oybGWLLOjcOHuifc760l9tZcLejbAHJrDV6OT102J7VPkmcfaihVmo/s295/%D8%AF.-%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%B2%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A.jpg

تنفتح الرواية على مشهد سجني قاسٍ، حيث يُطرح الشاب حمزة بن دالج في زنزانة مظلمة، غائبًا عن الوعي، وجراحاته تنزف. من هذا المدخل الحسي المكثف، تبدأ د. نسيمة زمالي في بناء عالمها الروائي، الذي يتخذ من السجن الإسرائيلي السري "1391" أو "قمر إسرائيل" فضاءً مركزيًا، لكنه سرعان ما يتمدد ليشمل جغرافيا أوسع من الألم العربي. 

تستعيد الرواية من خلال حوارات السجينين – حمزة الجزائري، الهاكر الذي رفض التعاون مع الموساد، ونصار الوردياني، الصحفي الفلسطيني المعتقل بسبب قلمه – ذاكرةً وطنيةً ممتدة، فلا يقتصر السرد على فلسطين، بل يشمل الجزائر ومصر وسوريا واليمن وتونس وليبيا ولبنان، وكأن القضية الواحدة تتفرع إلى جراح متشابهة، وإن اختلفت التفاصيل.

غير أن بناء الرواية لا يكتفي بالركام السياسي، بل يغوص في البعد الإنساني العميق. فمن خلال ذكريات حمزة، نعيش سيرته الذاتية: طفولته مع جدته المجاهدة التي حملت السلاح والمؤن إلى جبال الأوراس، وماتت مقعدةً بعد أن رفضت أن تقبض ثمنًا لجهادها، إيمانًا منها بأن الواجب لا يُشترى. 

ثم شبابه في الجزائر العشرية السوداء، حيث تحول المسجد إلى مصنع للتكفير، وأرسل الأئمة الضالون الشباب إلى جحيم سوريا، كما حدث مع صديق الطفولة مراد، الذي كتب رسالته الأخيرة يعترف فيها بالجريمة ويطلب السماح. وبين هذه الذكريات المتشظية، تنبثق قصة حبه الأولى لمريم، التي انتهت بفراق مرير بسبب ظروفه الاجتماعية، وحبه الثاني لليليا التايلاندية التي تزوجها وأنجب منها ابنه بيرم، قبل أن يلقى القبض عليه في صالون حلاقة، وتنتهي حريته وتضيع أسرته بين عشية وضحاها.

في المقابل، يحمل نصار ذاكرةً مختلفة لكنها متقاطعة مع ذاكرة حمزة في الجوهر. تتشكل وعيه السياسي منذ طفولته في فلسطين، حيث شاهد جيداء، الطفلة ذات ثوب النوم الأرجواني، تخرج من تحت الأنقاض جثة هامدة، فترسخ كرهه لإسرائيل وتوجهه لدراسة الإعلام كسلاح. غير أن الرواية تمنح القارئ وقفات رقيقة تزيح وطأة السجن، كقصة حبه المأساوية للكاتبة توكل أبو قبس من عكا، التي خطبها ثم سرقها السرطان منه بعد أيام من الخطوبة، فتحول فرحه إلى حداد، وصار يزور قبرها ويقرأ الفاتحة ويرمي حبات القمح لتأكلها الطيور. هذا التناوب بين الشخوص والأزمنة، بين قسوة الزنزانة ورقة الذكريات، يخلق إيقاعًا روائيًا يمنع الرتابة ويضفي عمقًا نفسيًا على الشخصيتين.

على المستوى الفكري، تطرح الرواية أسئلة جوهرية عن دور القلم في مواجهة السلاح، وعن تورط الأنظمة العربية في إذلال شعوبها، وعن التواطؤ الدولي الذي يشرعن جرائم إسرائيل. تستند إلى مرجعيات تاريخية وأدبية، من اقتباس تصريحات جولدا مائير العدوانية، إلى استشهاد بأبيات المتنبي وأحمد مطر، مرورًا بفلسفة ديكارت التي يقلبها السياسي الصهيوني من "أنا أفكر فأنا موجود" إلى "أنت تفكر سنمحوك من الوجود". 

غير أن الطرح السياسي لا يقع في فخ الوعظ المباشر، بل يتجسد في المواقف والحوارات، وفي تفاصيل الحياة اليومية في السجن، كإجبار السجناء على التبول في قوارير والتعايش مع روائح العفن، مما يحول القضية الكبرى إلى معاناة جسدية ملموسة.

وتتخذ الرواية من التنوع المكاني بعدًا بنائيًا، فالانتقال من زنزانة "قمر إسرائيل" إلى شوارع القدس وبيت لحم، ومن أزقة الجزائر إلى صحرائها وثكناتها العسكرية، ثم إلى حقول جورجيا الأمريكية ومزارعها، والى أسواق بانكوك التايلاندية، يعكس تشتت الإنسان العربي وهجرته القسرية، كما يعكس وحدة المعاناة رغم تعدد الأمكنة.