بين الجدران

تنطلق أصوات داخل المرء، هدهدة متواصلة تعلو وتخفت، أحياناً صرخات مكتومة. هذه الأصوات تتكاثر، تتشابك، لتشكل جدراناً غير مرئية تحيط بالروح. كل ما نراه كواقع، كأحداث يومية، هو مجرد صدى لتلك المعارك الداخلية. الهروب من شبح الماضي واليقين بأن المستقبل مجهول، يجعلنا عالقين في صراع لا ينتهي، نحرم من متعة اللحظة الحاضرة. أحياناً، قد تتجسد هذه الجدران في شخص آخر، في سلطة طاغية كالأم، أو في قسوة الآخرين القائمة على افتراءات. الغيرة، تلك الشرارة الخفية، قد تشعل فتيل الصراع. الخروج إلى ضوء القمر، تحت سماء مرصعة بالنجوم، لا يعني بالضرورة الهروب، بل هو رحلة للتأمل في مسيرة الوجود، في الأحلام القديمة، والوعود التي بدت يوماً ما صادقة. بين الجدران
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjE5gtNTgaNfz1b47gLy0QydF8dpq6xHzuYBuembI3r7VR4c3l_wju0feBEF_1tXWq3A0NNrvB7zdggADxYe2BLtbG9WqaiLb-hWRm7ODZmhXX5REibDxTPmouSYWhKCc6vnOznKeWZLWfTd4hQSIpjXcE_6rEgXYcFiWQ7sM4mRXac5zVuZCGrGACkXi0/s320/263.jpg

تنطلق أصوات داخل المرء، هدهدة متواصلة تعلو وتخفت، أحياناً صرخات مكتومة. هذه الأصوات تتكاثر، تتشابك، لتشكل جدراناً غير مرئية تحيط بالروح. كل ما نراه كواقع، كأحداث يومية، هو مجرد صدى لتلك المعارك الداخلية. الهروب من شبح الماضي واليقين بأن المستقبل مجهول، يجعلنا عالقين في صراع لا ينتهي، نحرم من متعة اللحظة الحاضرة. أحياناً، قد تتجسد هذه الجدران في شخص آخر، في سلطة طاغية كالأم، أو في قسوة الآخرين القائمة على افتراءات. الغيرة، تلك الشرارة الخفية، قد تشعل فتيل الصراع. الخروج إلى ضوء القمر، تحت سماء مرصعة بالنجوم، لا يعني بالضرورة الهروب، بل هو رحلة للتأمل في مسيرة الوجود، في الأحلام القديمة، والوعود التي بدت يوماً ما صادقة.

بين الجدران رواية 263 72 أغسطس 2019 yes 201091985809 ماجد عطا كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjQZTtF2cXwfCUotlDP9t4vG5X_qeGbpmoyRAzG8Dq9Lr_94_poInXgPtVe2_B9kD1shreX2rZNl-H-3aCBnDvGkMfk5rjlUOa38OLqsXdr4X0Vvqk1g7YD-Bqw9RI96ocLUXR1VUSnBTH6tlnq_Nnehbf55BmF0gT1p2ctBLTREhEXJBAZSzx_Mg4vdBo/s800/%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%AF-%D8%B9%D8%B7%D8%A7.jpg

يدفعنا ماجد عطا في روايته "بين الجدران" إلى تأمل الفجوة الهندسية بين المساحات الضيقة التي نحبس فيها ذواتنا وبين المدى المفتوح الذي نخشى عبوره. تبدأ الحكاية من نقطة الصفر النفسي، حيث يعود الإنسان إلى غرفته مثقلاً بهزائم يومية صغيرة، ليتكشف له أن الجدران ليست مجرد طوب وأسمنت بنسبة بناء محددة، بل هي حدود نفسية صلبة تفصل بين الواقع والمأمول. يطرح النص تساؤلاً جوهرياً حول ماهية الوجود خلف الأسيجة، سواء كانت هذه الأسيجة جدران دير، أو عادات مجتمعية، أو حتى أسواراً غير مرئية نبنيها حول مخاوفنا. التشريح النفسي للشخصية المحورية يكشف عن صراع داخلي يشبه تلاطم الأمواج في وعاء مغلق؛ طاقة هائلة من البحث عن المعنى تصطدم بجمود الهياكل المؤسسية والاجتماعية التي تحاول قولبة الروح في قوالب جاهزة.

تتحرك بطلة الرواية في مساحة حرجة تشبه الوقوف على خط زلزالي بين عالمين، عالم الرهبنة الذي يمثل الرغبة في السمو والاتصال بالمطلق، وعالم المجتمع الذي يفرض معايير صارمة للقبول والرفض. تشير الإحصاءات غير المعلنة في الحياة اليومية إلى أن 100% من قرارات الهروب تبدأ من الداخل قبل أن تترجم إلى خطوات فعلية، وهذا ما نلمسه في قرار البطلة بترك الدير. الرهبنة هنا لا تُقدم كفعل ديني مجرد، بل كمختبر إنساني تكتشف فيه الأنثى حدود قدرتها على الاحتمال، وتواجه فيه تسلطاً بشرياً يرتدي قناعاً مقدساً. الصراع مع الأم أو مع الزميلات في الدير ليس إلا انعكاساً لمقاومة النفس لعملية "القطف المبكر"؛ تلك الاستعارة التي استخدمها المؤلف لوصف إجبار الأرواح على بلوغ حالة من القداسة قبل نضج تجربتها الإنسانية، تماماً كما يتم قطف الثمار قبل اكتمال دورتها الكيميائية لتلبية احتياجات السوق.

الخروج من الدير إلى شوارع المدينة يشبه لحظة تحرر جسيم مشحون من مجال مغناطيسي قوي؛ فجأة يجد الإنسان نفسه في مواجهة فراغ الحرية المرعب. تصف الرواية هذه اللحظة بحياد شديد، حيث تسير البطلة بحقيبتها الوحيدة وسط الزحام، مراقبةً التغيرات المادية في المحلات والوجوه، وكأنها كائن مجهري انتقل من بيئة معقمة إلى غابة بيولوجية مفتوحة. الشعور بـ "اللاشعور" الذي يسيطر عليها في تلك اللحظة هو رد فعل دفاعي طبيعي يشبه الصدمة التي تلي الانفجار، حيث تتوقف الحواس عن التحليل لتبدأ في عملية الامتصاص السلبي للواقع الجديد. المجتمع هنا يظهر كجدار آخر، أكثر شراسة من جدران الدير، لأنه يحاكم الشخص "العائد" بوصفه معيباً أو فاشلاً، متجاهلاً أن المسيرة الروحية ليست خطاً مستقيماً، بل هي منحنيات معقدة من التجربة والخطأ.

يركز المؤلف على تشريح مفهوم "الأنوثة" وسط هذه الجدران، معتبراً أن الجسد والروح يخضعان لنظام رقابة صارم يتجاوز فكرة الانضباط إلى فكرة المحو. الضغط النفسي الذي تعيشه البطلة هو النتيجة الحتمية للاحتكاك بين رغباتها الذاتية وبين منظومة التقاليد التي ترى في عودة الراهبة إلى الحياة المدنية "وصمة" لا تُمحى. الرواية لا تكتفي بالسرد، بل تعمل كجهاز قياس لضغط التوقعات الاجتماعية التي تُمارس على الفرد، موضحاً أن الهروب من جدران الدير قد يكون مجرد انتقاء للسجن القادم إذا لم يمتلك الشخص بصيرة نفاذة. إنها دعوة للإصغاء إلى القلب، ليس كمحرك عاطفي، بل كبوصلة دقيقة في عالم فقدت فيه الاتجاهات وضوحها تحت وطأة الازدواجية الأخلاقية.

ينتهي المسار السردي دون تقديم إجابات وردية، بل يترك القارئ أمام حقيقة أن الحرية ليست في هدم الجدران فحسب، بل في القدرة على المشي في العراء دون خوف من نظرة الآخرين. الكتاب في جوهره دراسة في ميكانيكا الروح التي تحاول الانفلات من قبضة التنميط، حيث يمثل كل فصل درجة إضافية في حرارة الصراع بين الفرد والمجموع. يظل السؤال عن "الرسالة" و"الهدف" قائماً، ليس كفلسفة مجردة، بل كحاجة بيولوجية للاستمرار في عالم يصر على وضعنا داخل دوائر مغلقة. "بين الجدران" هي محاولة لرسم خريطة للهروب الكبير، ليس من المكان، بل من التصورات المسبقة التي تخنق الوجود الإنساني قبل أن يبدأ في الازدهار.