موشور اللا متناهية

تتوهج القصائد في "موشور الأل متناهية" كقطع من زجاج ملون، تعكس ضوء الروح في ألف مشهد. يبدأ الشاعر نجيب السقال رحلته عبر دهاليز النفس، لا ليؤكد لنا أنه المخلص المنتظر، بل ليخبرنا بشغف المولود الذي يدرك دوره. هنا، تتجلى "الطنجاوية الحرة" كأيقونة للتمرد، تختار الموت لتمنحنا درسًا في الخلود، لتصبح سيمفونية يقين، يعيش موتها ليحيا. وفي طيات أخرى، تتكشف "راعوث" الموآبية، جدة داود، حاملةً بين ثناياها إيمان الصافية ورحلة مباركة نحو الميراث الإلهي. كل حرف هنا يبدو كنبضة قلب، وكل صورة كمحطة تأمل، تدعونا للانغماس في بحر من المشاعر والأفكار، تاركةً إيانا نتساءل: "من أنا حتى الآن؟" في هذا الاستكشاف العميق، تتجسد الأسئلة الوجودية بلغة شعرية آسرة، تلامس أوتار الروح وتستفز العقل. موشور اللا متناهية
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgkIGWMMc0WAIitR1ZDEgcKKR-ZN_8yBXKM_xUfzmyu-F0BP09auEWV_50oXT5ielV6dZ4qM3PWdPqCgwdRe9_jG7F0KMDoBJGdBPcNE1zSV6FMB9nJIng8TPcukQOr_ntAVil2KgYwwjE3fHhsAqUG1Djtr78akQpOOIGJJe3DclR1ave5Si22wUm50BM/s320/228.jpg

تتوهج القصائد في "موشور الأل متناهية" كقطع من زجاج ملون، تعكس ضوء الروح في ألف مشهد. يبدأ الشاعر نجيب السقال رحلته عبر دهاليز النفس، لا ليؤكد لنا أنه المخلص المنتظر، بل ليخبرنا بشغف المولود الذي يدرك دوره. هنا، تتجلى "الطنجاوية الحرة" كأيقونة للتمرد، تختار الموت لتمنحنا درسًا في الخلود، لتصبح سيمفونية يقين، يعيش موتها ليحيا. وفي طيات أخرى، تتكشف "راعوث" الموآبية، جدة داود، حاملةً بين ثناياها إيمان الصافية ورحلة مباركة نحو الميراث الإلهي. كل حرف هنا يبدو كنبضة قلب، وكل صورة كمحطة تأمل، تدعونا للانغماس في بحر من المشاعر والأفكار، تاركةً إيانا نتساءل: "من أنا حتى الآن؟" في هذا الاستكشاف العميق، تتجسد الأسئلة الوجودية بلغة شعرية آسرة، تلامس أوتار الروح وتستفز العقل.

موشور اللا متناهية شعر 228 92 مايو 2019 yes 201091985809 نجيب السقال كاتب مغربي

نجيب السقال في ديوانه "موشور اللامتناهية" لا يكتب قصائد، بل يقيم قداساً علمانياً يرتد فيه الشعر رداء الفلسفة وتتحول فيه الكلمات إلى مرايا مكسورة تعكس شظايا الوجود الإنساني. يبدو الشاعر هنا كأنه "بورخيس" في متاهته، يبحث عن المركز في دائرة تفتقر إلى المحيط، مستعيناً برموز من التلمود، والأسطورة، والتاريخ، ليصهرها في بوتقة الذات الحائرة. تبدأ الرحلة من "زليخة حاتشوئيل"، تلك الطنجاوية التي اختارت الموت لتمنح الخلود معنى، فتتحول في نص السقال من ضحية تاريخية إلى "سيمفونية يقين" تتجاوز حدود الجسد إلى ملكوت القداسة. اللغة هنا ليست أداة للوصف، بل هي فعل خلق متمرد، يحاور القسمات ويستنطق الصمت في جلسة صوفية بين الوردة وحظها، حيث يغدو الموت حياة مستمرة من خلال القصيدة التي لا تقبل الانحناء.

يتدفق النص كأنه نهر من الوعي، ينتقل بالنسق الشعري من استحضار الشهيدة إلى مساءلة الأنا في سؤال وجودي متكرر: "من أنا حتى الآن؟". هذا السؤال ليس نداءً للمساعدة، بل هو استكشاف للملامح التي لم تنتهِ، وللجذور التي تستوقف آلاف السنين في حملها الأخير. الشاعر ينسلخ من "نقطة الرجوع"، محاولاً حماية الهوامش من التحنيط، ورافضاً تداول الإعادات المملة التي تقتل دهشة الكشف. هو يبحث عن "إنسانية الإنسان" في زمن الآلة، ويستقيل من الختام بتوقيع روحي يأبى القيود. يبرز حضور المرأة في الديوان كرمز للخلاص والخصب، من "راعوث" التي تحمل سنابل الوفاء، إلى "سيدة المساء" التي تمنح الحياة بركتها، حيث تمتزج ملامح النساء بقدسية الأرض، وتغدو العلاقة بين السماء والتراب مجرد "احتياطية" جمالية تقبل التأجيل.

تتحول القصائد في هذا الموشور إلى حلبة رهان، حيث تلتف عجلة الحظ على مدار السر، والشاعر يراقب بترقب حالة التوقف العشوائي للقدر. هو لا يراهن على الأرقام، بل على "الفرص الجوهرية" التي تتيح له الوفاء بمختلف الحيوات التي يحملها في داخله. ثمة صراع خفي بين العقلانية والعبثية، بين "السلالة الزرقاء" للمخيلة والواقع الذي يصدق الحدود الورقية. السقال يرتشف نكهة الإصباح والإمساء بوعي "الصابئ" عن ناسوته، باحثاً عن تحرير الكون والكائنات من "الطاقة المظلمة" التي تبثها البومة في لحظات التجلي. الموسيقى الداخلية للنصوص تعتمد على إيقاع التساؤل والترقب، كأننا أمام لوحة تجريدية تلاحق شفقاً ينزل من صلوات الروح المضاءة بالحرية، بعيداً عن صخب العالم الخارجي.

يقف الشاعر في "الجنة الأخيرة" ليعلن انتصار المستحيل، حيث يموت الإنسان ويبقى الرب حياً في صفحة من كتاب الوجود. هذا المشهد الختامي ليس نهاية، بل هو "ميلاد جديد للعالم الأوحد" الذي يسعى السقال لتشييده من أنقاض الرؤى القديمة. الديوان في مجمله هو "ملاحقة" مستمرة لقلب يمشي على نبضة واحدة، ولذات محورية تحاول استعادة "رسالة ملكوتية" ضاعت في زحام الحضارات. إنها كتابة سابقة للطبيعة، تتجاوز الانعكاس لتصل إلى جوهر الحكاية، حيث يغدو الشاعر غريباً أصلياً يرحب بالقادمين إلى عالمه الجديد، متسلحاً بصبر الزنبق وعناد الشهداء. في نهاية المطاف، يتركنا السقال أمام مرآة أنفسنا، لنتساءل معه عن هويتنا في خضم هذا التغير الشامل، مؤكداً أن الحقيقة تختار نفسها طوال الطريق، وأن الجمال هو الآية الوحيدة المستمرة في حكايتنا الإنسانية المتعثرة.