استنباطات الإمام أبي حيان في تفسيره البحر المحيط

يحطُّ النحوُ رحلَهُ في التفسير، فيكتبُ الإمامُ أبو حيان الأندلسي واحداً من أضخمِ المشاريعِ التي جمعتْ بينَ صَوْغِ الإعرابِ واستنباطِ المعاني من كتابِ الله. هذا الكتابُ لا يفسّرُ الآياتِ فحسب، بل يقتفي أثرَ الدلالاتِ الخفيّةِ في الألفاظِ ليُخرجَ منها أحكاماً عقديّةً وفقهيّةً ولغويّةً، ثم يقدمُها للقارئِ كحججٍ مكتملةٍ. يضعُ أبو حيانِ أمامَكَ شواهدَ القراءاتِ، ويُراعي وجوهَ الإعرابِ المختلفة، فيصبحُ البحرُ المحيطُ مرجعاً للأصوليينَ والنحاةِ والمفسّرينَ. بين يديكَ فرصةٌ لتتلمذَ على يدِ إمامِ النحاةِ في عصره، فإذا كنتَ تبحثُ عن عمقِ التحليلِ وبهرجةِ الاستدلالِ، فهذا الكتابُ منزلكَ. استنباطات الإمام أبي حيان في تفسيره البحر المحيط
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhFRZvtKyYOYwHQaQTQ6bIN034XhEQS3orPabBQTdVIJjDivTdRhCtOnKO85PbFhfkdrJ31bv8Xqm9ACYXQmOLAzGcVmrtANAjS_zZzQZ58eqeFr-fEuUEJ-hKOia7T0KRUjPBalyxl_dn01zQ-zySUGekRmsqHF1_0Yd6BzpMTJmrecl5T2FyY-dIN0Ac/s320/695.jpg

يحطُّ النحوُ رحلَهُ في التفسير، فيكتبُ الإمامُ أبو حيان الأندلسي واحداً من أضخمِ المشاريعِ التي جمعتْ بينَ صَوْغِ الإعرابِ واستنباطِ المعاني من كتابِ الله. هذا الكتابُ لا يفسّرُ الآياتِ فحسب، بل يقتفي أثرَ الدلالاتِ الخفيّةِ في الألفاظِ ليُخرجَ منها أحكاماً عقديّةً وفقهيّةً ولغويّةً، ثم يقدمُها للقارئِ كحججٍ مكتملةٍ. يضعُ أبو حيانِ أمامَكَ شواهدَ القراءاتِ، ويُراعي وجوهَ الإعرابِ المختلفة، فيصبحُ البحرُ المحيطُ مرجعاً للأصوليينَ والنحاةِ والمفسّرينَ. بين يديكَ فرصةٌ لتتلمذَ على يدِ إمامِ النحاةِ في عصره، فإذا كنتَ تبحثُ عن عمقِ التحليلِ وبهرجةِ الاستدلالِ، فهذا الكتابُ منزلكَ.

استنباطات الإمام أبي حيان في تفسيره البحر المحيط علوم دين 695 280 أكتوبر 2022 yes 201091985809 د. عبد القادر صالح بامبا كاتب إيفواري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhSz5IG4chwT1sWV78L1Ez2wFc2wQ5rpHygbTrUoU0jfRC2Cvr4bYKsX83mHIU2vqfD6B3SYEQX_XVGaBEINP0tzGFlbDoUiOVbEWCXZk_wTgzUSgTXXFDEDNgWbgO2BMVpssK1yIh9Wc1Obvnc5pn6jMbfHt6zN62kUZwT7IIy9k_w9ZcZnffAj6fgTeU/s295/%D8%AF.-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%B1-%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A8%D8%A7.jpg

ليس ثمة مَن يدرسُ استنباطاتِ إمامٍ كأبي حيانِ الأندلسي إلا ليَلمسَ عن كثبٍ كيفَ يتحوّلُ الإعرابُ إلى دلالاتٍ عقديةٍ وأحكامٍ فقهيةٍ. هذا الكتابُ الذي بين أيدينا، أو بالأحرى هذا الجهدُ البحثيّ، يُمثّلُ إضاءةً مركزةً على جزءٍ عزيزٍ من التفسيرِ القرآنيِّ، بالتحديدِ من سورةِ الذارياتِ حتى نهايةِ سورةِ الحديد. يكتسبُ هذا العملُ قيمتَه من كونهِ يَذْهَبُ إلى منطقةٍ لم تَحْظَ بعنايةٍ مُماثلةٍ في التراثِ البحثيّ؛ إذ يقلُّ التأليفُ في الاستنباطِ التطبيقيِّ، والأمرُ أشبهُ بإعادةِ اكتشافِ طريقةٍ نادرةٍ لفهمِ النصِّ.

تتلخصُ الفكرةُ الجوهريةُ للكتابِ في تعريفِ الاستنباطِ بأنه استخراجُ المعاني الخفيّةِ من النصوص، ثم تتبُّعُ آثاره في تفسيرِ البحرِ المحيط. يبدأُ المؤلِّفُ بالتعريفِ بالشخصيةِ المحوريةِ لأبي حيان؛ فيرسمُ صورةَ عالمٍ أندلسيٍّ تتلمذَ على يدِ شيوخِ المغربِ والمشرقِ، وذاعَ صيتُه حتى صارَ إمامَ النحاةِ في زمنه، فتلمذَ عليه كبارٌ كالتقيِّ السبكيِّ والصَّفديِّ. غير أنَّ القيمةَ الكبرى لهذه المقدمةِ لا تكمنُ في السردِ التاريخيِّ بقدرِ ما تكمنُ في كشفِ دوافعِ التأليفِ: فقد شرعَ أبو حيانَ في كتابةِ تفسيرهِ حينَ عُيِّنَ مدرساً للتفسير، وكانتِ الفكرةُ قد تبلورتْ في ذهنهِ منذُ وقتٍ مبكر، فضلاً عن أنَّه وجدَ في تفسيرِ شيخِه ابنِ النقيبِ حاجةً ماسّةً إلى التهذيبِ والترتيب، وهذه الدواعي جميعها كفيلةٌ بفهمِ منهجِ البحرِ المحيطِ الذي جاءَ واسعاً حاوياً اللغةَ والقراءاتِ والنَّسخَ والمناسبات.

يتّجهُ العرضُ بعدَ ذلكَ إلى الصنيعِ التحليليِّ الفعليِّ، فيقسِّمُ البحوثَ إلى مباحثَ حسبَ موضوعاتِ الاستنباط. أما في العقيدةِ فيتناولُ قضايا جوهريةً كعلمِ الغيبِ، وصفةِ العينِ لله، وعدمِ حملِ الإنسانِ وزرَ غيره، وحكمِ منْ كذّبَ بواحدٍ من الرسل. من هنا يبدو جليّاً كيفَ يركِّزُ المؤلِّفُ على توظيفِ الاستنباطِ في مسائلِ التوحيدِ، مستخرجاً من صياغاتٍ إعرابيةٍ محضةٍ ما يصلحُ أن يكونَ دليلاً عقدياً. كذلك يمرُّ بالفقهِ فيقفُ عندَ أحكامِ قيامِ الليلِ، ووجوبِ الزكاةِ، وسجدةِ التلاوة، بيدَ أنَّ هذه الإطلالةَ ليستْ موسَّعةً بالدرجةِ نفسها؛ إذ ينقلُ آراءَ الفقهاءِ دونَ سَعَةٍ في مناقشةِ الأدلة.

أكثرُ ما يلفتُ في هذا العملِ هو عنايتُه بعلومِ القرآن، خصوصاً علمَ المناسباتِ والناسخِ والمنسوخِ والمُبهَماتِ ومشكلِ القرآن. يبرزُ هذا واضحاً حينَ يرتبطُ نقدُ المحتوى بالخلفيةِ النحوية؛ إذ إنَّ أبا حيانَ وهو النحويّ المتفوّق لا يكادُ يمرُّ بآيةٍ إلا ويُحلِّلُ مفرداتها وصياغاتِها، ثم يُخرجُ من بينِ ثناياها مبرراً لنسخِ آياتِ الموادعةِ بآيةِ السيف، أو توجيهاً لصيغةِ الأمرِ إذا كانتْ موجَّهةً لمنْ هو متلبِّسٌ بالفعل. لا يكتفي الباحثُ بعرضِ هذه الاستنباطاتِ، بل يُخضعُها لمحكِّ التحليلِ، فيُبيّنَ مواقعَ القوةِ والضعف، ويُحيلَها إلى مصادرِها من كتبِ النحوِ والأصولِ.

إزاءَ ذلك كلِّه، يرتسمُ أفقُ أوسعُ لما يُمكنُ أن تؤديَ إليهِ صناعةُ الاستنباط. من جهةٍ، يُثبتُ المؤلِّفُ أنَّ قولَ أبي حيانَ ورأيَه ليسَ نهايةَ المطاف، فهو كثيراً ما يُخطئُ أحياناً حينَ يُلبسُ بعضَ الآراء، كما في تأويلهِ لصفةِ الاستواءِ على العرش، إذ يخرجُ عن مذهبِ السلفِ متأثراً بمنهجِ الأشاعرة. ومن جهةٍ أخرى، يُبيِّنُ النصُّ أنَّ البحرَ المحيطَ ليسَ مجرَّدَ كتابِ نحْوٍ، بل هو كتابُ نقدٍ للمعتزلةِ وردٍّ على إسرائيليات، وفيه عنايةٌ بأسبابِ النزولِ وبلاغةِ القرآنِ ووجوهِ الإعرابِ التي لم تُسْبَقْ إليها كتبٌ كثيرة. تتداخلُ هنا الأصواتُ: صوتُ المفسّر، وصوتُ النحويِّ، وصوتُ الأصوليِّ، فيما يشبهُ سيمفونيةً تُنتجُ منها دلالاتٌ معقّدةٌ لا تظهرُ إلا لمن يجيدُ قراءةَ النصِّ بكلِّ تلكَ العُدَد.

تلكَ الجولةُ في روحِ الكتابِ تُبرزُ حقيقةً مفادها: أنَّ ثمةَ علماً يتوسّطُ بينَ النصِّ وأهوائنا، وهو الاستنباطُ الذي يُعيدُ تشكيلَ الفهمِ عبرَ آلياتِ التجريدِ اللغويِّ والتمحيصِ المنطقيِّ. عملُ المؤلِّفِ قدَّمَ نموذجاً تطبيقياً في هذا المجالِ، وحاولَ أنْ يَسُدَّ فراغاً في المَكْتَبةِ، ليسَ بجمعٍ أكاديميّ جافٍّ، بل بتقديمِ قراءةٍ تَمْزُجُ بينَ القديمِ وبينَ أفقِ البحثِ العلميّ الراهن. لهذا كله يظلُّ هذا الكتابُ رافداً مهماً لمنْ يريدُ أنْ يتبيَّنَ كيفَ تحيا النصوصُ بتفاسيرِها، وكيفَ تتجدّدُ باستنباطاتِ أئمَّتِها.