لي في المأوى أورفيوسي

تقف "سلطانة" على حافةِ الانكسار، تبحثُ عن مأوىً يليقُ بروحها التي تعبتْ من الترحالِ بين المدن والقلوب. في رواية "لي في المأوى أورفيوسي"، لا يكونُ الحبُ مجردَ لقاءٍ، بل هو موسيقى تبعثُ في النفوسِ الحياة، وقيثارةٌ تعيدُ النبضَ إلى جسدٍ أنهكه الفقد. تجمعُ سلطانة بينَ ألمِ التخلي عن والدتها، وغيابِ والدها، وذكرى الحاج عمر الذي احتضنَها، وبينَ حبّينِ يتصارعان في قلبها: "يحيى" الذي أطلقت عليه لقب "أورفيوسي" لأنه أعاد لها الحياة بعزفه، و"يزن" الذي اقتحمَ محرابَها الصامت بلغةِ الألوانِ والرسائل. بينَ شاطئِ الإسكندريةِ وباريسَ، وبينَ مقهىً هادئٍ وكاتدرائيةٍ حالمة، تبحرُ سلطانةُ في رحلةٍ داخليةٍ لاكتشافِ ذاتها، لتدركَ أخيراً أنَّ المأوى الحقيقيَّ ليس مكاناً، بل روحٌ تلتقي بروحها في لحظةِ صدقٍ لا تعرفُ حدودَ الزمانِ والمكان. لي في المأوى أورفيوسي
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj9jZiS0SQiVv98DJ3C_S6K64Y01Z1Hhq6NYDvaTVBcBSPpgorjS-XLdB4N3KNafynqBLcWMR02kT72D-SayGdB_t7z3DX6RPpxLcj9U1PLOFN1osYx5IXRLOwEueoAB9KYlZRg3ycIFLEDoAOp0_iKAyA4ik1GdN93j-_UI10nzMJihw9R77ONMVFs_aM/s320/535.jpg

تقف "سلطانة" على حافةِ الانكسار، تبحثُ عن مأوىً يليقُ بروحها التي تعبتْ من الترحالِ بين المدن والقلوب. في رواية "لي في المأوى أورفيوسي"، لا يكونُ الحبُ مجردَ لقاءٍ، بل هو موسيقى تبعثُ في النفوسِ الحياة، وقيثارةٌ تعيدُ النبضَ إلى جسدٍ أنهكه الفقد. تجمعُ سلطانة بينَ ألمِ التخلي عن والدتها، وغيابِ والدها، وذكرى الحاج عمر الذي احتضنَها، وبينَ حبّينِ يتصارعان في قلبها: "يحيى" الذي أطلقت عليه لقب "أورفيوسي" لأنه أعاد لها الحياة بعزفه، و"يزن" الذي اقتحمَ محرابَها الصامت بلغةِ الألوانِ والرسائل. بينَ شاطئِ الإسكندريةِ وباريسَ، وبينَ مقهىً هادئٍ وكاتدرائيةٍ حالمة، تبحرُ سلطانةُ في رحلةٍ داخليةٍ لاكتشافِ ذاتها، لتدركَ أخيراً أنَّ المأوى الحقيقيَّ ليس مكاناً، بل روحٌ تلتقي بروحها في لحظةِ صدقٍ لا تعرفُ حدودَ الزمانِ والمكان.

لي في المأوى أورفيوسي رواية 535 178 مارس 2021 yes 201091985809 هاجر الشرامو كاتبة مغربية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiMTJe1nwUnG-Oq5O_DpADMEB3pKZSGjuFprCFMYXNPq-Soel976M5BoBG6TY3NVak9YqasmSUZs_GiE_fdWauyrKP8jqCvXWtcnnG9aznMLkLDOMx0fzseD48ztyEsYwAxLdN0aTgXzoO1CsrJ1W_5hwwCbKz8JigzY1nkoT17lJS3cPtyTG2QUS43D2U/s295/%D9%87%D8%A7%D8%AC%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D9%85%D9%88.jpg

تفتتحُ هاجر الشرامو روايتها بأسلوبٍ شعريٍّ مكثفٍ، حيثُ تُقدّمُ للقارئِ عالماً من المشاعرِ المتدفقةِ والبحثِ الدائمِ عن الذات. تروي الراويةُ، التي نعرفُها من خلالِ مذكراتِها، قصةَ "سلطانة" الشابةِ الجامعيةِ التي تعيشُ في مدينةٍ ساحلية، تحملُ في جعبتها الكثيرَ منَ الجروحِ العاطفيةِ الناتجةِ عن تفككِ أسرتها وسفرِ والدتها إلى أوروبا، وتركِها مع جدتها. هذا التخليُ المبكرُ جعلها ترفضُ فكرةَ الحبِّ التقليدية، متعويضةً عنه بمثالياتِ الفلسفةِ والارتماءِ في أحضانِ الكتابةِ والموسيقى، حتى تلتقيَ بـ"يحيى" في مقهى الشاطئ، الرجلُ الذي سيُصبحُ "أورفيوسيها"، معيداً إليها نبضَ الحياةِ عبرَ قيثارتهِ وحواراتهِ الفلسفيةِ العميقة.

يتخذُ النصُّ شكلاً غيرَ تقليدي، إذ يُروى جزءٌ منه على لسانِ يحيى نفسه، في مذكراتٍ يكتبُها لها، حيثُ يكشفُ عن افتتانهِ بها وبعالمها، وعن إحساسهِ بأنها "سلطانته" التي لا تُشبهُ أحداً. لكنَّ العلاقةَ بينَ سلطانةَ ويحيى لا تأخذُ منحى الحبِّ المباشرِ بقدرِ ما هي صداقةٌ عميقةٌ تجمعُ بينَ أرواحٍ توأميةٍ، حيثُ تتشاركُ في قراءةِ الكتبِ ومناقشةِ الأساطيرِ اليونانيةِ مثلِ قصةِ أورفيوس ويوريديس، والاستماعِ إلى فيفالدي وموسيقى الحجرة. غيرَ أنَّ هذا التوازنَ الهشَّ يبدأُ بالانهيارِ حينَ يتدخلُ عنصرٌ جديدٌ في حياةِ سلطانة: "يزن"، رجلُ الألوانِ والسينوغرافيا، الذي يعرفُ أسرارَها دونَ أن تُخبرَهُ بها، ويُصرّ على أن يخطفَها من عزلتها، مطلقاً عليها لقبَ "لوتوس".

يتحوّلُ النصُّ إلى لوحةٍ سيكولوجيةٍ معقدة، حيثُ تتأرجحُ سلطانةُ بينَ حنينِها لدفءِ يحيى الذي كانَ صديقاً وحبيباً دونَ اعتراف، وبينَ انجذابِها الجديدِ ليزن الذي يمثلُ تحدياً لمعتقداتها ورفضَها للحبِ المباشر. تكمنُ عبقريةُ الروايةِ في تصويرِ هذا الصراعِ ليسَ كمعركةٍ بينَ رجلين، بل كمعركةٍ داخليةٍ بينَ جانبي شخصيةِ سلطانة نفسها: جانبٌ يبحثُ عن الأمانِ والاستقرارِ في علاقةٍ عاطفيةٍ صافيةٍ، وجانبٌ آخرُ يشتهي المغامرةَ وعبورَ الحدودِ. يحيى، الذي يمثلُ المأوى الروحي، يغادرُ إلى باريس تاركاً لها مفاتيحَ شقته، بينما يزن، الذي يمثلُ الجرأةَ والتحدي، ينسحبُ أيضاً حينَ يشعرُ بأنَّ حبَّها ليحيى يتجاوزُ حدودَ الصداقة. وهكذا، تجدُ سلطانةُ نفسها وحيدةً، تواجهُ أكبرَ خسائرِها: وفاةُ جدتها التي كانتُ آخرَ رابطةٍ حقيقيةٍ لها بالعالم.

تصلُ الروايةُ إلى ذروتها العاطفيةِ حينَ تكتشفُ سلطانةُ، بعدَ رحيلِ يحيى، الرسائلَ التي كانَ يكتبها لها ولم يجرؤ على إرسالها. هذه الرسائلُ، التي يحتفظُ بها صديقُه "تشيشرو"، تكشفُ عن عمقِ حبِّ يحيى لها، وعن توقِه للقائِها على ساحةِ كاتدرائيةٍ في باريس. هذا الاكتشافُ يُشعلُ في داخلها شرارةَ التحررِ منَ الخوفِ، فتقررُ سلطانةُ، بعدَ صراعٍ طويلٍ، أن تسافرَ إلى باريسَ لتلقاهُ، ليسَ كهاربةٍ منَ الحياة، بل كمحاربةٍ تريدُ أن تعيشَ حبَّها بكاملِ وعيها. المشهدُ الأخيرُ، حيثُ تجدهُ في مقهىً بباريسَ وتحتضنهُ من خلفِ ظهره، هو تتويجٌ لهذه الرحلةِ الوجوديةِ الشاقة، تأكيدٌ على أنَّ الحبَ، عندما يكونُ حقيقياً، لا يمكنُ للمسافاتِ أن تموته، وأنَّ كلَّ رحلةِ هروبٍ هي في النهايةِ طريقٌ للعودةِ إلى الذاتِ الحقيقية.