عادي في بيتها

تتسللُ قصائدُ العاميةِ هذه، كأنها ومضةُ حنينٍ عابرة، حين ترنُّ الهواتفُ في عتمةِ الليالي، حاملةً أنباءً تُعيدُ تشكيلَ ما نظنُّ أننا عرفناه. هنا، تتعرّى الروحُ أمامَ حقيقةٍ قاسية، فالوعودُ تتلاشى كدخانٍ في الهواء، والحبُّ الذي استوطنَ القلبَ، يصيرُ مجردَ ذكرياتٍ تُدمي. يظهرُ الحزنُ جلِيًّا، لا كبكاءٍ مرير، بل كاعترافٍ إنسانيٍّ صادق؛ فالإنسانُ، في جوهره، يحملُ أهاتٍ وجراحًا، يتوقُ لراحةٍ لطالما حلمَ بها. وفي خضمِّ هذه المعمعة، تتكشفُ الأقنعة، وتُصبحُ الخيانةُ هي الجزاءَ المعتادَ للمعروف، وما كانَ بالأمسِ وفاءً، باتَ اليومَ سكينًا في الظهر. هذه الكلماتُ ليستْ مجردَ سطور، بل هيَ مرآةٌ تعكسُ هشاشةَ عالمٍ ما عادَ فيهِ الصديقُ إلا غريبًا، والحبيبُ إلا شبحًا من ماضٍ مؤلم. عادي في بيتها
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgs5cDf4dHI63xUD1l-Mi0CZEQVO_iJWQzm5BHeaVIW6F7aphRGbLcWggAo7BmLJ0T4S34uQXH6vW-HKxpBiLId4WirTn4cPNLyFsrKXBSijLYKjbRmNACF2EKYtZLS4RGoKmPrPAi_bGPgV31XEHHdUHRoDTbbIM4ir58qpZWYFgKVbLbRp-wbrcdgBss/s320/329.jpg

تتسللُ قصائدُ العاميةِ هذه، كأنها ومضةُ حنينٍ عابرة، حين ترنُّ الهواتفُ في عتمةِ الليالي، حاملةً أنباءً تُعيدُ تشكيلَ ما نظنُّ أننا عرفناه. هنا، تتعرّى الروحُ أمامَ حقيقةٍ قاسية، فالوعودُ تتلاشى كدخانٍ في الهواء، والحبُّ الذي استوطنَ القلبَ، يصيرُ مجردَ ذكرياتٍ تُدمي. يظهرُ الحزنُ جلِيًّا، لا كبكاءٍ مرير، بل كاعترافٍ إنسانيٍّ صادق؛ فالإنسانُ، في جوهره، يحملُ أهاتٍ وجراحًا، يتوقُ لراحةٍ لطالما حلمَ بها. وفي خضمِّ هذه المعمعة، تتكشفُ الأقنعة، وتُصبحُ الخيانةُ هي الجزاءَ المعتادَ للمعروف، وما كانَ بالأمسِ وفاءً، باتَ اليومَ سكينًا في الظهر. هذه الكلماتُ ليستْ مجردَ سطور، بل هيَ مرآةٌ تعكسُ هشاشةَ عالمٍ ما عادَ فيهِ الصديقُ إلا غريبًا، والحبيبُ إلا شبحًا من ماضٍ مؤلم.

عادي في بيتها شعر عامية 329 76 نوفمبر 2019 yes 201091985809 محمد عبد المنعم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgdHoBWgaRYXBIpLG458PSieVZb3oYmfa_l25E8lnUrprymML819rw5lgTBLzdLpidRcb1nKdTAh1NvA2UFh9PQsnMc-9DObXLqFBtqChcOl6bpF9Pha5R0P0FQsgMP1nXr-JYDX76jIE4EX2nRelwmXzt7aqCj0AzLeBRtwMuy-dUzL_JRPc6jXmm4iew/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B9%D9%85.jpg

تتساقط الكلمات على الورق كنصلِ حلمٍ مرهف، تحملُ "عادي فـ بيتها" لمحمد عبد المنعم، همسَ الروحِ في دروبٍ معتادة. ليست قصائدَ لتُحفظ، بل هي نداءاتٌ للعاشقِ الحائر، لمن يجدُ في وهجِ الحبّ مرآةً لوجوده، وفي ألمه الشفافِ صدىً لأغنيته. يتسللُ النصُّ بخفةٍ، كحكايا الليلِ بين الأصدقاء، لا تخشى البوحَ بالضعف، ولا تعتزلُ مواجهةَ الحقيقةِ المرّة.

رنّ الهاتفُ ذات مساء، ليصبحَ الصمتُ رفيقَ الخوف، وتُثقلُ الروحَ هواجسُ النهاية. إحساسٌ صادقٌ لم يخُن صاحبهُ قط، أتى ليؤكدَ أنَّ آخرَ الكلماتِ ستكونُ فاصلاً. شعورٌ لم يبشّر بالخير، بل جاء ليُثبتَ براءةَ قلبٍ ظنّ أنهُ يملكُ الرفق. وفي لحظةٍ لا تُحتمل، أتتْ الرسالةُ كصقيعٍ يلسعُ الروح: "فرحي اليوم". وكأنَّ وعودَ الحبِّ، وذكرياتَ الأمسِ، محتها كلمةٌ باردةٌ بلا اكتراث. كأنَّ الوعدَ بالبقاء، والعهدَ بالوفاء، كانا مجردَ سرابٍ تبددَ تحتَ شمسِ الواقع.

كانت الوصيةُ أن يحضرَ، ولكنَّ الكبرياءَ تظاهرَ باللامبالاة، محاولاً سترَ جرحٍ غائر. لكنَّ الدمعَ الفضّاحَ أبى أن يختبئ، وتمنّعَ عن إظهارِ القوةِ المصطنعة. فقد أُكّدت دعوتهُ للحضور، وسمعَ الكلماتِ المتهمة: "آسفة، كانت ظروف". جملةٌ قيلت ببرودٍ لا ينمُّ عن خوف، بل عن قناعةٍ بأنَّ المرءَ أحياناً يرى ما كان يجبُ أن يراهُ منذُ زمن. استمعَ ولم ينطق، وكأنَّ التأملَ لم يمسّه، كان مجروحاً لكنه لم يُظهر، لم يدركْ كيفَ لمن كانَ حبيبةً أن تتحولَ إلى غريبةٍ لم يراها قط.

يعودُ الهاتفُ ليرنّ، وتتجددُ معركةُ الكبرياء. لماذا يُكابرُ؟ ولماذا يُظهرُ أنَّه غيرَ موجوع؟ يتظاهرُ بالصلابةِ أمامَ الآخرين، وكأنَّ الدموعَ قد اختبأتْ خلفَ جدارٍ سميكٍ بناه منذُ زمن. لكنَّ الحقيقةَ أبعدُ من ذلك، فهو ليسَ قوياً كما يبدو، بل هو إنسانٌ مثقلٌ بالأنينِ والجراح، مشتاقٌ للراحةِ التي تبدو بعيدة المنال. في النهاية، هو بشرٌ في نهايةِ المطاف.

ولماذا يُكابرُ اليوم؟ وهو عاجزٌ عن تحملِ الحنين. فمجردُ سماعِ الاسمِ يبعثُ في القلبِ ارتياحاً، ويُعيدُ الروحَ إلى دفءِ الأيامِ الخوالي. مهما حاولَ أن يكونَ قوياً، يجدُ نفسهُ يحنُ إلى عناقٍ كانَ يوماً ملاذه. وإنْ ذُكرَ اسمها، فكأنهُ يمسكُ بصورتها، وتعودُ الحياةُ إليهِ من جديد، يدخلُ قلبهُ في حالةِ انتباهٍ، وتعودُ بهِ الأيامُ إلى زمنٍ مضى، يقفُ فيهِ بانتباهٍ لو كانَ أمامها.

تُناشدُ الروحُ القلبَ أن يعيشَ لنفسه، وأن ينسى زمنَ الحنانِ الذي لم يعدْ لهُ وجود. فالوضعُ لم يعدْ مريحاً، فالجميعُ يضربُ الجميع، حتى من عاشَ في خيرهم. لم يعدْ الحالُ يسُرّ، ولم يعدْ لأحدٍ خاطر. مهما حاولَ المرءُ أن يجدَ ستراً، فإنَّ المرشدَ الوحيدَ هو الظروف. ملعونٌ أبو الوضعِ الذي يكشفُ الأقنعةَ في الشدة، ويكشفُ عن حقيقةِ الناسِ وأشكالهم.

"افتحوا كتبَ الأحزان"، دُعوةٌ صريحةٌ للقراءةِ في صفحاتِ الألم. إنَّ من ذاقَ مرارةَ الحياةِ أكثرَ من غيره، سيجدُ اسمهُ مسجلاً فيها. فلا تنسوا، أنَّ اسمهُ موجودٌ في خانةِ المجروحين، وقد تركَ علامةً واضحة. لقد كانَ صديقاً لعمره، وفياً أحياناً، لكنَّ الجرحَ كانَ هو الصديقَ الأوفى. الجراحُ على أعلى جودة، وفي العذابِ هم فراودة. لو حسبتَ جروحهُ، لتعبتَ من كثرةِ العدد. اقرأوا واسمعوا، كم جرحهُ؟ كم أدمتْ عيونهُ؟ كم سدّتْ طريقهُ؟

كلُّ عامٍ وأنتِ أنا، يا بهجةَ العمرِ ولون الربيع. يا حباً يعيشُ بطعمِ الهنا. أُمريهِ، فقلبهُ يطيع. حبٌ قد التحدي، وأنتِ أغلى ما يملك. حبٌ أكبرُ منهُ ومنكِ، حبٌ لا يمكنُ أن يضيع. تستحقينَ حباً لا يكونُ عادياً أبداً. يا أولَ روحٍ سكنتْ روحه، رأى فيكِ عمراً كاملاً، وميراثاً للأجيال. لا تدعي عينيكِ تبوحانِ بسرّه. حبيبتي، يا أنا. كلُّ عامٍ وأنتِ بجانبه، يدهُ في يدكِ، وقلبهُ في حضنِ قلبكِ. وقد ينسى كلَّ الدنيا، ويريدُ عمراً جديداً، لأنَّ نسيانكِ ولو لثانيةٍ يبدو مستحيلاً.

وهو أضعفُ من أن يحاولَ النسيان. هواكِ لا يزالُ يدفعهُ للحديثِ عنه، وللحبِّ فيهِ لمئةِ سنةٍ قادمة. رأى نفسه فيها منذُ اللقاءِ الأول، وأقسمَ أن تبقى معه. ليست هذهِ فقط مجردَ كلمات، بل هي صورٌ تتجلى، ومشاعرٌ تتشكلُ على هيئةِ قصائد، تُناجي الحبَّ، وتُصارعُ الألم، وتُعلنُ الولاءَ لروحٍ وجدتْ في الأخرى ملاذاً. "عادي فـ بيتها" ليستْ مجردَ عنوان، بل هي حالةٌ إنسانيةٌ متكررة، تبحثُ عن معنىً في تفاصيلِ الحياةِ العادية، عن بريقٍ في عينٍ، وعن دفءٍ في يدٍ، وعن وعدٍ لا يتبددُ مع أولِ نسمةِ فراق.