قابلتك في المترو

تتدافع الحشود في أروقة المترو، كلٌّ يحمل عبء روحه في صمت. هنا، حيث يلتقي الغرباء في لحظات عابرة، تتكشف جروحٌ عميقة، ويُمنح الأمل في هيئة يدٍ تمتد من خلف حجابٍ لم تكن تتوقعه. فالحياة، تلك الدائرة الضيقة التي نسجنها، قد تضيق بنا حتى نكاد نختنق، لا لشيءٍ إلا لأن أقرب الناس يضعوننا في قلبها ثم يرحلون. لكن، وسط هذا الزحام، قد تلوح بارقة، فتاةٌ تملك وجهًا فاتنًا وشخصيةً آسرة، تجعل القلب يرتجف شغفًا، تتسلل إلى الروح كقصيدةٍ لم تُكتب بعد، لتُحدث في عالمٍ دامسٍ نورًا لا يُقاوم. هل هي الصدفة التي تجمعنا، أم أن القدر أراد أن يضعنا في اختبارٍ قاسٍ، ليكشف لنا عن وجوهٍ لم نعهدها، وعن قلوبٍ تطيب في حضرة من نثق بهم؟ قابلتك في المترو
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiyMgazv1cS2OOYmRg1fe2KxiWCFjy4udyKKevLtTufFVHrD3JX6-RvZ2iL4k0WGfIBZ95f2fwO3hYUTjIXtvqHEkq8n9pYWow40lzPgdq2-tlkgv_61MnaH2i_UO_VKYF9gF8Mem3yGXjvzPoAvIugO1Yw4RVMnebNxTzTk3HV13fyUi5jvtsV1bfpdE8/s320/306.jpg

تتدافع الحشود في أروقة المترو، كلٌّ يحمل عبء روحه في صمت. هنا، حيث يلتقي الغرباء في لحظات عابرة، تتكشف جروحٌ عميقة، ويُمنح الأمل في هيئة يدٍ تمتد من خلف حجابٍ لم تكن تتوقعه. فالحياة، تلك الدائرة الضيقة التي نسجنها، قد تضيق بنا حتى نكاد نختنق، لا لشيءٍ إلا لأن أقرب الناس يضعوننا في قلبها ثم يرحلون. لكن، وسط هذا الزحام، قد تلوح بارقة، فتاةٌ تملك وجهًا فاتنًا وشخصيةً آسرة، تجعل القلب يرتجف شغفًا، تتسلل إلى الروح كقصيدةٍ لم تُكتب بعد، لتُحدث في عالمٍ دامسٍ نورًا لا يُقاوم. هل هي الصدفة التي تجمعنا، أم أن القدر أراد أن يضعنا في اختبارٍ قاسٍ، ليكشف لنا عن وجوهٍ لم نعهدها، وعن قلوبٍ تطيب في حضرة من نثق بهم؟

قابلتك في المترو رواية 306 456 أكتوبر 2019 yes 201091985809 سمر عمر كاتبة مصرية

يد تمدّها فتاةٌ عبر زحام المترو. دائرةٌ ضيقةٌ تحبسُ مريم، بائعةَ الورد، بين خياناتِ القريبين وأسرارٍ دُفنت في رمال الفيوم حيث تعيش مع جدّها. ويدٌ أخرى، لزياد، تمسكُ بكارت اتصالٍ صغيرٍ ألقته إليه، فيتعلق قلبه بوجهها المحجّب الذي يشبه "أميرة". هكذا يبدأ اللقاء العابر الذي يخترقُ عزلةَ اثنين.

مريمُ، خلف نعومتها، جُرحٌ نازفٌ من أصدقاءَ باعوها "بأرخص ثمن"، وثقةٌ محطمةٌ جعلتها تختفي في غرفتها تبكي. لكن خروجَها من تلك الدائرة المظلمة قادها إلى يد زياد. حواراتهما الأولى خجلى، مشوبةٌ بارتباكٍ لمسةِ يد، وقبلةٍ حانيةٍ على كفّها جعلتها تسحبها مسرعةً إلى صدرها. "هتبقي زي الخاتم في صباعي"، يقولُ لها بثقةِ رجلٍ اعتاد الفوز، لكن مريم ليست غنيمةً سهلة. شخصيتها "المختلفة" تفرضُ احتراماً، حتى وهي تبتسم.

ثم يأتي الامتحانُ الأقسى. يقرر زياد كسرَ جدارِ الصمت حول ماضيه: "كنت متجوز.. جواز مصلحة". المفاجأةُ أن الطلاقَ جاء بعد لقائه بها. صدمةُ الاعتراف تجعل مريمَ تنظر إلى الفراغ، قلقةً من أن تُوصمَ بأنها "خطّافة رجالة". لكن صدقه، رغم قسوته، يفتح باباً للثقة. في المقابل، تبوحُ له بضعفها: "بابا وماما متوفين"، وعيشها مع جدّها في الفيوم، كاشفةً عن عزلةٍ أخرى.

العلاقةُ، الوليدةُ وسط ضجيج القاهرة، تواجه اختباراتٍ من خارج دائرة الاثنين. هناك أحمد، الصحفيّ الذي يرفضُ بتصلّفٍ تغطيةَ حفلات رجال الأعمال مثل عامر نبيل الجندي (والذي قد يكون اسماً يلوح في أفق قصة زياد ومريم؟). رفضُ أحمد الانخراط في "الجد" الزائف، وغضبُه الذي يدفع البابَ ليصطدمَ بالحائط، يشي بنوعٍ من الشرف العنيد الذي قد يعترض طريق الأثرياء.

هل مشاكلنا اختبارٌ لأقرب الناس؟ أم نحنُ من نُختبر؟ تسأل الروايةُ بمرارةٍ وحسرة. الخيانةُ تأتي غالباً من حيث وضعنا أُمنَنا، "والضربة أحيانا تأتي من الذين نثق فيهم". لكنّ الروايةَ، كالمترو نفسه، تحملُ في عرباتها المتلاحقة إمكانَ اللقاء الجديد، يدَ المساعدة غير المتوقعة. لقاء زياد ومريم هو هبةُ المصادفة التي تحدقُ بجدران الدوائر المغلقة. حبٌّ يبدأ بسرعةٍ مُربكة، "بهذه السرعة؟!"، لكنه يُبنى على كلماتٍ صادقةٍ وقبلةٍ على كفّ. هل يكفي الصدقُ لتحريرِ نفسين من دوائر الألم؟ الروايةُ تتركُ السؤالَ معلقاً في هواء المحطة، مثل عطر وردةٍ لمّاحةٍ اشتراها رجلٌ من فتاةٍ حزينة، لا يعرفان بعد كم الدوائر التي سيدورانها معاً. وكم الجدران التي يجب أن يهدماها قبل أن يصلا إلى نفس المحطة.