لم أكن أنوي الكتابة

"لم أكن أنوي الكتابة" ليست مجرد مجموعة شعرية، بل هي اعتراف صادق من شاعرة وجدت نفسها أسيرة للورق والحبر رغمًا عنها. نورا صبيح تكتب عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الحياة إلى سطور، عندما يصبح القلم هو الملجأ الوحيد من وحشة الفراق، وجبروت الذكرى، وزحمة المشاعر التي لا تجد مخرجًا إلا في القوافي. بأسلوب أنثوي شفاف، يتراوح بين البوح العفوي والتأمل الفلسفي، يضيء الديوان على تفاصيل الحياة الصغيرة: كأس قهوة في الصباح، عودة الصغار إلى البيت، وشاح قديم حاكته الأم، وصورة الأب التي لا تمحوها السنون. إنه شعرٌ لا ينتظر الإذن، يكتب نفسه بنفسه، ويُذكّرنا بأن أجمل ما في الكتابة هو أنها تأتي عندما لا ننويها. لم أكن أنوي الكتابة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgWdN4v0BWRkpUF3mmjDldsOU27RnkdeZ0jGW5zXlLIBMCPNPaRcyI68GYX6Ud0axmVRPTCbC2UI4WIQmTb-wAoZFTfdeaAxAdQSvbf9rEx66Tw5DlCdcCgcU18n5XBJmhEvoWDJLN0039Z4F2-WAmpTTYrbePuIc2ucccLfZwWBqUEyMdqigZp1pDPVvA/s320/717.jpg

"لم أكن أنوي الكتابة" ليست مجرد مجموعة شعرية، بل هي اعتراف صادق من شاعرة وجدت نفسها أسيرة للورق والحبر رغمًا عنها. نورا صبيح تكتب عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الحياة إلى سطور، عندما يصبح القلم هو الملجأ الوحيد من وحشة الفراق، وجبروت الذكرى، وزحمة المشاعر التي لا تجد مخرجًا إلا في القوافي. بأسلوب أنثوي شفاف، يتراوح بين البوح العفوي والتأمل الفلسفي، يضيء الديوان على تفاصيل الحياة الصغيرة: كأس قهوة في الصباح، عودة الصغار إلى البيت، وشاح قديم حاكته الأم، وصورة الأب التي لا تمحوها السنون. إنه شعرٌ لا ينتظر الإذن، يكتب نفسه بنفسه، ويُذكّرنا بأن أجمل ما في الكتابة هو أنها تأتي عندما لا ننويها.

لم أكن أنوي الكتابة شعر 717 96 يناير 2023 yes 201091985809 نورا صبحي كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiOavk0EQX_8wOCGoAKR1vyO5KAeh8nWSTkng_3QFV_eteTJPmF8e-DI99Yh474l8gxbpAyfo9jS5JrczVkWHQQBj3Pw19HAyCa-Mo6SwewvRNUvON6kvvFLcw1QPj2iqalXVHfCOx2v9P-lpuVNsmNtH1ZreCKS_Wj5jN3r6aXnzWyhcoh59xM5fYjxy8/s800/%D9%86%D9%88%D8%B1%D8%A7%20%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D9%8A.png

"لم أكن أنوي الكتابة" للشاعرة نورا صبيح هو ديوانٌ يتخذ من العنوان عتبةً فلسفيةً لاستكشاف علاقة الشاعرة بلغة الضاد، حيث تتحول الكتابة من فعلٍ مكروهٍ إلى مصيرٍ لا مفر منه. العنوان نفسه، الذي يتكرر في أكثر من قصيدة، يحمل نفيًا ونفيًا للنفي؛ فالشاعرة التي تعلن أنها لم تنوِ الكتابة هي ذاتها التي تغرق في المحابر والدفاتر، وكأن القلم يسبق الإرادة، وكأن المشاعر تكتب نفسها قبل أن تفكر العقل في التقاطها. 

هذا التناقض يمنح الديوان طابعًا حميميًّا، ويدعو القارئ لمشاركة الشاعرة رحلتها من النفي إلى الإقرار.

يتميز الديوان بلغته الشفيفة التي تلامس القلب دون تكلف، وبنبرته التي تتأرجح بين الحزن العميق، كما في قصائد الرثاء، والبهجة العفوية، كما في قصيدة "عاد الصغار". هذه الازدواجية تعكس رؤية الشاعرة للحياة كنسيج متشابك من الفرح والألم، حيث لا يمكن الفصل بينهما. 

ففي قصيدة "أبتاه.. لنا ذكرى"، تروي الشاعرة لحظات فقدان والدها، مستخدمة تفاصيل يومية بسيطة – مكالمة هاتفية، قراءة سورة الكهف، كلمات زوجها المواسية – لترسم مشهدًا للحزن الصامت الذي لا يجد عزاءً إلا في الكتابة. هذا الحضور المتجسد للأب في غيابه هو أحد أبرز محاور الديوان، حيث يتحول إلى رمز للحضن المفقود والأمان الضائع.

يتجلى الوعي الذاتي للشاعرة أيضًا في قصائدها التي تتحدث عن الكتابة نفسها، كما في قصيدة "ليلة ودفاتر وكمان"، حيث تصبح أدوات الكتابة (الدفتر، القلم، الكمان) رموزًا للخلاص من وطأة الوحدة. هذا البعد المعدني يمنح الديوان عمقًا إضافيًا، ويجعل من فعل الكتابة موضوعًا شعريًا بحد ذاته. 

كما يظهر الوعي بالزمن في العديد من القصائد، كقصيدة "لا شيء يبقى للأبد"، حيث تتأمل الشاعرة في رحيل كل شيء: العصافير، الزهور، وحتى الدموع التي تخوننا، لتصل إلى قناعة أن الثبات الحقيقي لا يكون إلا في الحرف الذي يوثق تلك الرحلات.

الحب يظهر بقوة في الديوان، لكنه ليس حبًا رومانسيًا بمعناه التقليدي، بل حب ممزوج بالغربة والحنين والألم. قصيدة "وتبقى أحبك" تختزل هذه الرؤية، حيث تتغرب المدينة وتتغير، لكن "أحبك" تبقى ثابتة، وكأنها الملاذ الوحيد في عالم يتغير بسرعة. هنا، الحب ليس مجرد عاطفة، بل أداة للبقاء، وحبل نجاة في بحر الألم. وتتكرر هذه النظرة في قصيدة "ضمّني فاض الحنين"، حيث يتحول الحنين إلى فيضٍ يغمر الشاعرة، وتصبح يدا الحبيب هي الملجأ الوحيد من صقيع الوحدة.

من الناحية الفنية، تعتمد نورا صبيح على لغة شعريّة بسيطة لكنها مكثفة، بعيدة عن الغموض الاصطناعي، ومفتوحة على التأويل. تنوع القوافي والتفعيلات يضفي على الديوان إيقاعًا موسيقيًا متغيرًا يتناسب مع تنوع المواضيع. نجد فيها الشعر الحر والشعر المقفى، القصيدة الطويلة والومضة السريعة، مما يعكس قدرة الشاعرة على التكيف مع متطلبات كل حالة شعريّة. 

هذه المرونة تجعل الديوان تجربة قراءة متكاملة، تأخذ القارئ في رحلة عبر دروب الحزن والأمل، وتذكّره بأن الكتابة، حتى وإن لم تكن مقصودة، هي أقرب الطرق إلى الذات.