إني اخترتك قدراً

هذا الديوان ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو صرخة وجعٍ تصاعدت عبر السطور، ومحاولة يائسة للإمساك بخيوط الضوء في زمن انطفأت فيه كل الشموع. الشاعرة هنا تخلع عنها جلدها المألوف لتكتب بدمها، حاملةً إرثاً من الألم والمعاناة، مقدمةً نفسها كوارثةٍ لمعاناة سيزيف، وكأنها تقول إن صخرة الألم لم تعد على كتف الأسطورة، بل أصبحت تُدفع في صدور كل من يولدون في دهاليز القهر. غير أن هذا الوجع لا يبقى فردياً، بل يتسع ليكون تأملاً في إرث الخطيئة الإنسانية، وفي الخيبة الجماعية التي أضاع فيها البشر بوصلتهم، ليبقى السؤال الأهم معلقاً: هل الحب قادر على انتشال الروح من هذا الهاوية، أم أنه مجرد وهمٍ آخر في قائمة الخداع؟ إني اخترتك قدراً
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjtF9RI6QeTG5hergSdjB6oTqaRHTdwllSv7aOYs2IO0svUI0PtwTRWmkDcxIMXRw0R814X_mEcHOVNpmDeLKD_MvJyF4r50e3GzFcTmwO2tXgeD0vayX_aIqGUXvpxb6mBxh8_thqWBR2B3zfWKh_kE_trN1Iyhz2l6QGN3p29E8BYpGdlSF5i9Wd0QZs/s320/588.jpg

هذا الديوان ليس مجرد مجموعة قصائد، بل هو صرخة وجعٍ تصاعدت عبر السطور، ومحاولة يائسة للإمساك بخيوط الضوء في زمن انطفأت فيه كل الشموع. الشاعرة هنا تخلع عنها جلدها المألوف لتكتب بدمها، حاملةً إرثاً من الألم والمعاناة، مقدمةً نفسها كوارثةٍ لمعاناة سيزيف، وكأنها تقول إن صخرة الألم لم تعد على كتف الأسطورة، بل أصبحت تُدفع في صدور كل من يولدون في دهاليز القهر. غير أن هذا الوجع لا يبقى فردياً، بل يتسع ليكون تأملاً في إرث الخطيئة الإنسانية، وفي الخيبة الجماعية التي أضاع فيها البشر بوصلتهم، ليبقى السؤال الأهم معلقاً: هل الحب قادر على انتشال الروح من هذا الهاوية، أم أنه مجرد وهمٍ آخر في قائمة الخداع؟

إني اخترتك قدراً نصوص نثرية 588 88 يونيو 2021 yes 201091985809 محمد باهي كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjpHlfjPi03n5PVXc4EfOr0L1ySdMiBEcLOuUQlIzb3luB1NcEV0aiZWBEH1j5s0XyEi0eFPhgD0fbMRK20v3MYSVt29KyIsntmJhSpS-jqqtWqG4rNqJG_rg6QgW2wKcyFKdJ8a_MZ5-USq0S-VwlQh1ezRcC3tadTnRc4fYXILBMon8EcMtQTeRmd2Bs/s800/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%A8%D8%A7%D9%87%D9%8A.jpg

يبدأ الديوان بافتتاحية تأسيسية تمزج بين سقوط أسطورة شهرزاد التي أنهت عصر الحكايات، وبين إعلان الشاعرة أنها وريثة معاناة سيزيف، مانحةً إيذاناً ببدء رحلة شعرية لا تخلو من تناقضاتها. هنا، تتشكل الذات الشاعرة ككائن منكسر، لا يجد في الموروث الثقافي والأسطوري سوى مرايا لتجربته الخاصة، وكأنه يستعير شخصيات التراجيديا الإغريقية والأساطير الشرقية لتأطير ألمٍ فردي يبدو، مع ذلك، كونياً في امتداده. 

غير أن هذا الافتتاح لا يخلو من بلاغة الصدمة، إذ تعلن الشاعرة عن انتهاء عصر المعجزات، وموت الأمل، وتلاشي الإيمان، في سياق يستحضر صورة الإنسان المعاصر الذي صار ضحيةً للتمزق بين الطين والجحيم، بين الرغبة في التطهّر والانغماس في الخطيئة، مما يجعل القصائد أشبه بمسرح عبثي تعرض فيه المأساة الإنسانية بكل قسوتها.

وبينما تنتقل الشاعرة إلى قصائد الغزل، نجدها تتخذ منحىً يختلف عن المألوف، فلا هي تسلم للحب بوصفه خلاصاً، ولا تقف عند حدود التغزل الرومانسي، بل تجعل منه ساحة صراع آخر، حيث يختلط الشغف بالخوف، وينشغل الداخل بالبحث عن إجابات لا تأتي. 

فالحب في هذا الديوان يُقدّم في تجليات متعددة، تارةً كملاذ يمنح الإحساس بالدفء، وأخرى كجحيم يلتهم الروح، وكثيراً ما يتلبس شكل السؤال الوجودي، كما في قصيدة "اغمرني حباً" التي تتحول فيها العلاقة العاطفية إلى صلاة، وإلى نهرٍ من العسل النقي، في تناقضٍ صارخ مع قصائد أخرى ترى الحب ناراً موقدةً في القلب.

وهكذا، لا تستقر الشاعرة على رؤية واحدة، بل تعكس تقلب المشاعر وتناقضها، وكأنها تؤكد أن الكتابة عن الحب ليست سوى كتابة عن تلك اللحظات التي يتجلى فيها النفس أمام مرآته.

غير أن السمة الأبرز في الديوان هي الحضور الطاغي للفقد، سواء أكان فقْدَ الحبيب، أم فقْدَ الوطن، أم فقْدَ المعنى، إذ تتردد قصائد تأبينية للوطن الأم، ولشخصيات رحلت، وإهداءات مؤثرة تذكرنا بمن سبقونا، لتصبح الكتابة هنا عملاً تأسيسياً للحضور في مواجهة الغياب. ولعلّ القصيدة التي ترثي فيها الشاعرة والدتها، وتلك التي تتحدث عن وطنها مصر، ليستا مجرد توثيق للذاكرة، بل محاولة لإعادة خلق معنى للحياة وسط أنقاض ما تحطم.