أنا المؤرخ

تظن أنك تعرف لماذا سمي الفول مدمساً؟ أو لماذا البقدونس طويل والكسبرة قصيرة؟ أو لماذا الشاورما تشبه شاور ماما؟ اطمئن، عمرو الباز لا يعرف أيضاً. لكنه سيخبرك بحكايات ساخرة يختلقها من رأسه عن أصول أكلاتك المفضلة، بكل وقاحة المؤرخ الذي يضع التاريخ بين قوسين ليضحك في وجهك. اجلس مع جد متقاعد يختبئ خلف الستار ليقذف الصبية بالحصى، ثم يدخل في متاهات الزمن ليصنع لك سندوتكات من الأكاذيب اللذيذة. من الكوارع الفرعونية إلى الشوفان الذي اكتشفه ولد اسمه شوف أن، ومن الكشري الهندي إلى الجمبري الذي كان هدية جومبا. هل يهم إن كان كل هذا كذباً؟ لا، طالما أن الضحكة حلال والوجبة ساخنة. هذا الكتاب ليس تاريخاً، بل وليمة فكاهية نقدّمها لك ساخنة، تطبيق: استلقِ على الأريكة، افتح أي صفحة، وتأكد أنك لن تأكل طعمية بعد اليوم دون أن تتذكر زغلول الطباخ وسخم توت. أنا المؤرخ
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgwRpp2QXNah1A24VnOaQLGdBOfEMnHuFLjjGr2yZA9FrA4shsD-fCBVYRHxZQ06FUflO1-JqRGdf2uJ2A2Xfhyphenhyphen48dDay_bsgfsd5tiJxuy9txCdP8S713shU9f4lNgiIL6j8gH2suTE5bozeOn3i4oY_6hKld35TgcZGLFBm1_f2M8ykwKieMtF_WVEm8/s320/485.jpg

تظن أنك تعرف لماذا سمي الفول مدمساً؟ أو لماذا البقدونس طويل والكسبرة قصيرة؟ أو لماذا الشاورما تشبه شاور ماما؟ اطمئن، عمرو الباز لا يعرف أيضاً. لكنه سيخبرك بحكايات ساخرة يختلقها من رأسه عن أصول أكلاتك المفضلة، بكل وقاحة المؤرخ الذي يضع التاريخ بين قوسين ليضحك في وجهك. اجلس مع جد متقاعد يختبئ خلف الستار ليقذف الصبية بالحصى، ثم يدخل في متاهات الزمن ليصنع لك سندوتكات من الأكاذيب اللذيذة. من الكوارع الفرعونية إلى الشوفان الذي اكتشفه ولد اسمه شوف أن، ومن الكشري الهندي إلى الجمبري الذي كان هدية جومبا. هل يهم إن كان كل هذا كذباً؟ لا، طالما أن الضحكة حلال والوجبة ساخنة. هذا الكتاب ليس تاريخاً، بل وليمة فكاهية نقدّمها لك ساخنة، تطبيق: استلقِ على الأريكة، افتح أي صفحة، وتأكد أنك لن تأكل طعمية بعد اليوم دون أن تتذكر زغلول الطباخ وسخم توت.

أنا المؤرخ ساخر 485 176 أكتوبر 2020 no عمرو الباز كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEj8kBckK_Rhm_PFvV3-EHkU0x8uzwp0h2cNOXLhqAPX5rEAwbtVC2kPo0tBv214sFywO6KZIF0uzVkZ7iQWKvvnY9PVgk0Ah2JHwMqXSxpW2LiionXf5gUWXf4S9-VVUUWwe_a92WoR3m3UmdiEM-UCTFjzV74DWZ_IiaubMAMxqk6jBkO5lAvwziRjwOU/s295/%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B2.jpg

كتاب "أنا المؤرخ" لعمرو الباز ينتحل صفة السخرية من الخطاب التاريخي الجاد، فيتحول إلى كوميديا خالصة حيث الجد عم نظمي يختبئ خلف ستارة رمادية ليرمي الحصى على أطفال الحارة، ثم يفتح الباب لحفيدته نوجا القادمة من الإجازة لتحكي له ما سمعته من أصول الأكلات، ليرد عليها هو بقصصه المسنودة إلى لا شيء.

من هنا تبدأ اللعبة: الجد يدّعي معرفة تاريخ كل طعام على وجه الأرض، من البيض الذي حوله بسطاويسي الطاهي العربي إلى "دوقي أول" للأميرة ماري لوبان في فرنسا، إلى البيض الأومليت الذي لته الأميرة بنفسها في اليوم التالي تحت اسم "إمبارج".

إذن، الأسلوب الوحيد الذي يعتمده الكاتب هو التورية الصوتية: كل كلمة تصدر صوتاً يشبه شيئاً آخر، فتنهار الدلالات وتضحك أنت على لا شيء.

على هذا الأساس، يصبح الفول المدمس المدنس الذي دنسه الهكسوس بطهيه، ثم غيَّر اسمه شبرا وي حتب إلى "المدمس" خوفاً من غضب المصريين، وإلا لظل "مدنساً" إلى الأبد.

بيد أن المفارقة تكمن في أن هذه القصص لا تدّعي الصحة للحظة واحدة، بل تعلن بوقاحة أنها مختلقة تماماً، مثل قصة الجرجير الذي جلبه شخص أبكم إلى قرية فرنساوية فسمي "جار جير" نسبة إلى جاره المزارع جير.

ومن ثم يتشكل النسيج السردي كله حول سؤال واحد: ماذا لو كان لكل أسم من أسماء الأطعمة قصة وهمية لكنها ممتعة أكثر من الحقيقة؟

فضلاً عن ذلك، لا يقتصر الهذيان التاريخي على أصول الطعام، بل يمتد إلى تفاصيل إضافية سخيفة مثل قصة الشاورما: ابن يريد أن يطهو لأبيه المريض، فيسأل أبوه "شاور ماما تقولك"، فيتطور الاسم إلى شاورما.

في المقابل، لا يكتفي الكاتب بالطهي، بل يتسلل إلى أصول الحلويات: الزلابية اخترعها حلواني أقطعه الوالي ضحكة شديدة حتى أوقع الحلوى على كرشه، وصوابع زينب كانت صوابع شام فشبتها الوالي زينب ابنته لأنها صغيرة وقصيرة.

وهكذا، كل اسم يتحول إلى سلسلة من التلاعب اللفظي: الكنافة من "كان نفى" المسمارية التي تنفى الحب عن نفسها، والكحك من "كا حك" نسبة إلى الخباز حك بتاح، والبيتيفور من بيت رقم فور في مسابقة الحلويات.

بل إن الجبنة الموزاريلا تحولت إلى شتيمة فاضحة: ريال الفتاة الجميلة طويلة اللسان كانت تبيع جبناً سيئاً لكنها موزة جداً، فسميت جبنة الموزا ريال.

على هذا النحو المتقن في هرطقته، ينتقل الكاتب من أكل إلى آخر بلا توقف، مستعيناً بشخصيات مكررة مثل زغلول الطباخ، وعبد القادر، وعم مليجي، وأم ماهر، وأم مرعي، وشلبية القوية.

غير أن الغريب في هذه المسرحية الهزلية أن الجد لا يروي القصص وحده، بل الحفيدة نوجا تشاركه أحياناً باقتراح أسئلة، وفي مشاهد متأخرة تحاول أن تعجزه بأسماء غريبة مثل الكنالوني والكالزوني والسوشي، فيجيبها بإصرار فكاهي.

في تلك اللحظة، نكتشف أن نوجا نفسها قادرة على اختراع قصص مثل خبز التورتيال الذي كان يحمله ثور تيال في قريته، وهنا يتساوى الجد والحفيدة في عالم من التلفيق اللطيف.

أما التحول الأبرز، فيحدث عندما يصل الكتاب إلى حلوى البسبوسة التي لم تروَ قصتها، ثم يختتم الجد بقصة مذهلة عن تخطيط المدن المصرية: المهندسون يحتارون في تخطيط القاهرة، فيستدعي محمد علي باشا حلوانياً مصرياً يدعى مخيمر، فيصف له المدينة على شكل صنية بسبوسة مربعات والميادين كلف الكنافة والطرق كقرص المشبك الملتف، فيضحك الوالي حتى كاد يسقط، ويطلب من المهندسين أن يتعلموا من الحلواني كيف يخططون البلاد.

على هذا الأساس، يصبح الكتاب رحلة لا إلى تاريخ الطعام، بل إلى متعة العبث بالمعرفة ذاتها، وإلى نزع القداسة عن التخصصات الأكاديمية.

حينها فقط يعلن الجد العبارة الختامية: "اللي بني مصر كان في الأصل حلواني"، أي أن العمارة والتخطيط والحضارة كلها ولدت من رحم الحلوى، تماماً كما أن كل حكايات الكتاب ولدت من لا شيء سوى الرغبة في الضحك.

وبهذه النكتة الأخيرة، يفضح عمرو الباز سر الكتاب بأكمله: ليس المهم أن تصدق، المهم أن تبتسم، ثم تطلب وجبة أخرى ساخنة من الأكاذيب اللذيذة.