شحات العسل

لا تبحث عن أبطال يصنعون التاريخ، بل عن تاريخ يصنع أبطاله من بقايا العسل وفتات الخبز. هنا، في ريف محمد عبد النعيم، يتحول شحات العسل إلى أسطورة، واليتيم إلى مرآة، والنخلة إلى شاهد على حياةٍ كاملة. سبع قصصٍ تتدفق كقطرات العسل الأسود، لزجةٌ ودافئةٌ وحلوة المذاق، لكنها تخفي في قاعها إبراً من حكمةٍ ووجعٍ ودهشة. يرسم الكاتب تفاصيل عالمٍ مفقود، عالم القرى المصرية بأصواتها وروائحها وأساطيرها وعفاريتها، حيث يرقص العرسان عند ضريح الشيخ "أبو سمره"، وحيث يتحول صندوق التلفزيون الأبيض والأسود إلى نافذة على الأحلام، وحيث يتساوى جلال الموت مع بساطة الحياة. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية، بل معمارٌ حسيٌّ متكامل، يبني كلماته من طين الحقول وليف النخيل وبريق عيون الصغار، ليخلد في الذاكرة كأغنيةٍ ريفيةٍ صافية، يشدو بها من تذكر أن الحياة كانت أعمق من وهج الشاشات وأعذب من عسل القصب. شحات العسل
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjAGx-I2XFZt6Rnt4Y2bIAxMOeSo-DdRI1Fg0_Yc5oMG2lB47lPe9yhNS8BDOdgNMa8bHwuS0UhVivTz6JTs0MsYuSoUtqsGoX1Nifuao8IY4wfdubAZFovVKqCP45zo_dheo_BasibAEwneZPFga121UeOBoixzTNfABZd3HpE1epyRtXAYTxQmFamiN8/s320/538.jpg

لا تبحث عن أبطال يصنعون التاريخ، بل عن تاريخ يصنع أبطاله من بقايا العسل وفتات الخبز. هنا، في ريف محمد عبد النعيم، يتحول شحات العسل إلى أسطورة، واليتيم إلى مرآة، والنخلة إلى شاهد على حياةٍ كاملة. سبع قصصٍ تتدفق كقطرات العسل الأسود، لزجةٌ ودافئةٌ وحلوة المذاق، لكنها تخفي في قاعها إبراً من حكمةٍ ووجعٍ ودهشة. يرسم الكاتب تفاصيل عالمٍ مفقود، عالم القرى المصرية بأصواتها وروائحها وأساطيرها وعفاريتها، حيث يرقص العرسان عند ضريح الشيخ "أبو سمره"، وحيث يتحول صندوق التلفزيون الأبيض والأسود إلى نافذة على الأحلام، وحيث يتساوى جلال الموت مع بساطة الحياة. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية، بل معمارٌ حسيٌّ متكامل، يبني كلماته من طين الحقول وليف النخيل وبريق عيون الصغار، ليخلد في الذاكرة كأغنيةٍ ريفيةٍ صافية، يشدو بها من تذكر أن الحياة كانت أعمق من وهج الشاشات وأعذب من عسل القصب.

شحات العسل مجموعة قصصية 538 162 مارس 2021 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhUxinLtZmnV101JByQTL0aYRlSeSq0TN_avXwy_5ojQII7nJ93ZUzUxmOQF5Fr7acnc3krvfHyvYi6esCDITH9tA_-E8VFkqmswnW_0-SirLkE_YafGmt6f3ocTpyBaKTTICk2g-oFrZUo_iLLSgezmceHtLRXhv8DZ1mf9dn1QWdig1au_XZiSXYOSQA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

يمتد النسيج السردي في "شحات العسل" كحبل ليفي متين يلف حول جذع نخلة عتيقة، فلا ينفصل عنها ولا يرتخي. ينطلق محمد عبد النعيم من تفصيلة صغرى، من شحات يسيل لعاب الصغار ليسرقوا منه حلواه، ليؤسس لعالم كامل متكامل العناصر، نابض بالحياة الحقيقية التي كانت، والحكايات التي صارت أساطير.

تتوزع القصص السبع كأيام الأسبوع، كلٌّ منها نافذة على زاوية مختلفة من عالم ريفي يوشك على الاندثار. نبدأ بـ"شحات العسل"، حيث العم سيد الغريب الذي هاجر من بلده الجائع إلى هذه القرية، ليس باحثاً عن مجد، بل عن بقايا العسل في قاع نحاسات العصارات. يرسم الكاتب هذا الرجل الفقير الضامر بحبٍّ وتفصيل، من بالصه العتيق المتدلي خلف ظهره كطفل مدلل، إلى عشته البوص على الطريق الترابي، إلى وحدته التي تخنقه في الليل كدخان السيجارة. ليس عم سيد مجرد شخصية، بل هو مرآة لتحولات الحياة، حين ينتقل من شحاذ للعسل إلى طباخٍ في عصارة العمدة، ثم إلى بائع ترمس وحمص، وأخيراً إلى ذكرى في قلوب الصغار تتومض كالبرق الخافت خلف ستائر النسيان. وفي هذه الرحلة الدائرية، حيث يموت عم سيد في النهاية وتصير عشته حطاماً، تتجلى فلسفة الكتاب الأساسية: أن الحياة في هذا العالم لا تمنح أحداً أكثر من قوته، وأن الهوامش هي التي تشكل المركز الحقيقي للذاكرة.

غير أن الكتاب لا يكتفي بالرثاء، بل يمضي إلى سبر أغوار المعتقد الجمعي في قصة "أبو سمره". هنا، يقف القارئ أمام ضريح الشيخ مسعود، ذلك الولي الذي يتحول إلى محورٍ للحياة الاجتماعية كلها، من زفاف العرسان إلى نذور النساء، ومن تسلق الأطفال لأشجار الجميز إلى كراماته التي يرويها عم أحمد بحكمةٍ وأسى. يتتبع النص التحولات التي طرأت على هذا المكان المقدس: كيف أطفأت لمبات الكهرباء ضياء الشموع، وكيف بني الجامع والمئذنة مكان العزلة، وكيف تحول الاحتفال بالولي إلى ذكرى وقراءة فاتحة. ومع ذلك، يظل الشيخ مسعود حامياً للجزيرة في قلوب البسطاء، وحكاية عم أحمد مع المحراث المسروق – التي تبدأ بضياع أمل وتنتهي برؤيا في المنام وتوبةٍ ومسبحة – تثبت أن الأسطورة، حتى لو تراجعت أمام المدنية، تظل تحتل حيزاً من النفس البشرية لا يمكن اجتزاؤه بالعقل وحده.

ثم ينتقل الكاتب إلى فضاء الرعب الطفولي في "عفريت دوار العمدة". وهنا، يتحول المقطع إلى مشهد سينمائي بامتياز، حيث يخوض الراوي في ليلة شتوية مظلمة، عائداً من بيت عمته، ليواجه أسوأ مخاوفه: كابوس "عفريت ضاحي" الذي زرعته حكايات الجدة في عقله. المفاجأة، التي لا تقل قسوة عن العفريت نفسه، أن هذا المارد الأسود لم يكن سوى "مشمع" كلب العمدة، الذي انقض عليه من الظلام ومزق ثيابه وجرح بدنه. لكن السخرية هنا موجعة: فالراوي كان يخاف من وهم، بينما الخطر الحقيقي كان نابعاً من سلطة القرية ذاتها، ممثلة في كلب العمدة الذي يفترس بموجب أمرٍ صامت. وكما يتغير دوار العمدة بعد موت العمدة نفسه، وتختفي الخفارة ويحلّ الفوضى محل النظام، تتبدد المخاوف الأسطورية ويبقى أثر الندبات دليلاً على واقع أكثر تعقيداً.

في "أبيض وأسود"، يرصد النص لحظة التحول الحضاري الكبرى بمنظارٍ مفعمٍ بالدهشة والحنين. لم يكن التلفزيون الذي أحضره عم عالم إلى القرية مجرد جهاز، بل كان ساحراً يقلب ليل الريف المخيف إلى بهجةٍ أنيسة. كان الأطفال يحبون عم عالم وعائلته وحتى زريبة بهائمه، ليس طمعاً في شيء، بل امتناناً لتلك النافذة التي فتحت لهم عالماً جديداً. يرصد الكاتب التفاصيل الدقيقة: بطارية السيارة التي تشغله، والكراسي الجريد، وخمسة قروش لدخول المندرة، والمشجعين المتعصبين كعصمت وعبد الصبور. وهنا، تأتي لحظة الخسارة مؤلمة ومفاجئة، عندما تحطم القزازة شاشة التلفزيون في خضمّ شجار كروي، وكأن الحداثة هشة كالزجاج، وكأن الفرح الجماعي يمكن أن يتكسر في لحظة غضب عابرة.

من جهة أخرى، تكشف قصتا "الكعكة" و"في قلوب نخالته" عن قسوةٍ باطنة وصراعٍ بين الأجيال والطبقات. ففي الأولى، يتحول اليتيم حمدي، الذي يملك كعكة لأول مرة في حياته، إلى فريسةٍ لمجموعة من الصبية يطاردونه فيها، ليس لأنهم جياع، بل لأن امتلاكه لشيءٍ يثير شهيتهم يبدو انتهاكاً للقاعدة غير المكتوبة التي تقول: ليس من حق الهامشي أن يتمتع. كفاح حمدي، وتسلقه الجدار، وهروباً، لا يمثلان سوى معركة وجودية ضد منظومة تنهش ما لا تملك. وفي الثانية، يتحول النخال عم سعفان، البطل الشعبي الذي يتسلق النخل بسرعةٍ فائقة ويغني فوقه، إلى ضحيةٍ لابنه العائد من الغربة، الذي يشعر بالخزي من حرفة أبيه. موت عم سعفان واقفاً في قلوب النخاليل الصغار، بعد أن قطع حبل المطلع عن غير قصد، هو موت رمزي لكرامة الجيل القديم أمام الجيل الجديد الذي استهلكته الحداثة وجعلته يتنكر لجذوره حتى لو كانت تلك الجذور هي ما أطعمته وألبسته.