حفيد هنريتا

ماذا لو كان دمك هو المفتاح لإنهاء حرب بيولوجية بين أمريكا والصين؟ وماذا لو كانت جدتك التي ماتت قبل مئة عام لا تزال حية في خلاياها المنتشرة في كل مختبرات العالم؟ ديفيد لاكس شاب يعاني من أرق مزمن وهالات سوداء تحت عينيه، يكتشف فجأة أن خلايا دمه خارقة، قادرة على شفاء جائحة فتاكة. لكن هذه الهبة تحوله من مريض إلى هدف ثمين. الجاسوسية العلمية، والسباق نحو المريخ، واختطاف السفراء، ومنظمات حقوقية تخفي وجهاً آخر. حبيبة كمال تكتب رواية خيال علمي بوليسية فلسفية، مستلهمة قصة هنريتا لاكس الحقيقية، المرأة السوداء التي ماتت سنة 1951 لكن خلاياها غيرت الطب الحديث. "حفيد هنريتا" ليس مجرد رواية، بل تأمل في من يملك أجسادنا بعد أن نموت، وفي ثمن الخلود الذي لا يدفعه الأغنياء. حفيد هنريتا
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjW30zYrXQ-G-VDoscrS5aDnH4N5xwDaqx3StBfdkRyoXvMWvhs_6EVSYl5KOBfSr_po_UZ3vsC5rj0Pyx-7O55fs2skA2Te-cn7puZgaftfgEC-eJV07Gez8VtbY1eeWwiV1McXfsf2kz6zt54SXuaCN1P19pPxwAVu8fPnlJJaTikNCQcUxqRIBJZMg4/s320/494.jpg

ماذا لو كان دمك هو المفتاح لإنهاء حرب بيولوجية بين أمريكا والصين؟ وماذا لو كانت جدتك التي ماتت قبل مئة عام لا تزال حية في خلاياها المنتشرة في كل مختبرات العالم؟ ديفيد لاكس شاب يعاني من أرق مزمن وهالات سوداء تحت عينيه، يكتشف فجأة أن خلايا دمه خارقة، قادرة على شفاء جائحة فتاكة. لكن هذه الهبة تحوله من مريض إلى هدف ثمين. الجاسوسية العلمية، والسباق نحو المريخ، واختطاف السفراء، ومنظمات حقوقية تخفي وجهاً آخر. حبيبة كمال تكتب رواية خيال علمي بوليسية فلسفية، مستلهمة قصة هنريتا لاكس الحقيقية، المرأة السوداء التي ماتت سنة 1951 لكن خلاياها غيرت الطب الحديث. "حفيد هنريتا" ليس مجرد رواية، بل تأمل في من يملك أجسادنا بعد أن نموت، وفي ثمن الخلود الذي لا يدفعه الأغنياء.

حفيد هنريتا رواية 494 112 أكتوبر 2020 yes 201091985809 حبيبة كمال كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgOKYPtulh099AGRM0-O3MGuYcXhpMm4rVOeq_BxYjQfMIfGi1m_gY6XpIt8eZ7e0hGoSicDXFUjPJ9fH6CkCLgVnvLlHMebwN5NNUszA5oAokrBl7UGsjxq06WZRmo0ZAUn5iHI2viuSugUq_e9vXvdSrLSsA4C_fVnbkKQ3BOrtXAR2FpyU-LFRaRYj8/s295/%D8%AD%D8%A8%D9%8A%D8%A8%D8%A9-%D9%83%D9%85%D8%A7%D9%84.jpg

تبدأ رواية "حفيد هنريتا" لحبيبة كمال في عام 2075، حيث يعاني ديفيد لاكس من أرق مزمن يجعله يعيش على حافة الانهيار.

لكن الأرق ليس سوى عرض لشيء أعمق، ففي كل ليلة تطارده امرأة سمراء في منامه، تبكي وتصرخ، وجسدها مليء بآثار التشريح.

من هنا ينطلق السؤال المحوري: من هذه المرأة التي تستغيث به عبر عقود الموت، ولماذا تظهر له وحده؟

على هذا الأساس، تُبنى حبكة الرواية على طبقتين: طبقة علمية وأخرى سياسية، تلتقيان عند جسد امرأة واحدة هي هنريتا لاكس.

ففي العالم الحقيقي، تُعد هنريتا لاكس شخصية تاريخية: امرأة أمريكية من أصل أفريقي ماتت بسرطان عنق الرحم سنة 1951، لكن خلاياها أُخذت دون إذنها وأصبحت "خلايا خالدة" تتكاثر حتى اليوم في كل مختبرات العالم.

إذن، ديفيد هو حفيد هنريتا، ودمه يحمل خلايا خارقة قادرة على مقاومة أي فيروس.

بيد أن الكاتبة لا تكتفي بإعادة سرد القصة الحقيقية، بل تنسج حولها عالماً مستقبلياً مكتملاً: الإضاءة تعمل بالكهرباء المستخرجة من سمك الرعاش، والسيارات ذاتية القيادة لا يقودها بشر، والأبواب تفتح بالصوت لا بالمفاتيح.

وفي هذا المستقبل، تشتعل حرب باردة بين أمريكا والصين على الهيمنة العلمية، بعد أن نجحت الصين في استعمار المريخ وأقامت عليه مستعمرات بشرية.

ومن ثم تتداخل القصص: ديفيد يكتشف أن خلايا دمه هي العلاج الوحيد لجرثومة فتاكة أصابت آلاف الأطفال الأمريكيين، فيتبرع بالدم عبر صديق والده الطبيب إيثان.

لكن الطبيب يستغل هذه الهبة لصنع دواء باسمه، وتنشره الحكومة الأمريكية في الخفاء لمواجهة التفوق الصيني.

بل إن أجزاء من خلايا هنريتا الأصلية تُستخدم في التجارب الذرية وفي الفضاء، دون أن يدرك أحد أن روحها ما زالت تعاني.

وهكذا، يتحول ديفيد من مريض إلى مورد استراتيجي، ثم إلى هدف يجب اختطافه قبل أن تقع المعلومات في أيدي الصينيين.

في المقابل، تنشط منظمات حقوقية روسية تطالب بالإفراج عنه ومحاكمة المسؤولين عن اختفائه، لكن يتبين لاحقاً أن هذه المنظمات ليست بريئة، بل تسعى لاستغلاله أيضاً لصالح مشروعها الجيوسياسي.

غير أن الرواية لا تغفل الجانب الإنساني، فشخصياتها ليست مجرد أدوات في آلة المؤامرات.

فهناك جاسيكا الأم الحزينة التي تنتظر ابنها المخفي، وتظل تؤمن بعودته.

وهناك ويليام، صديق ديفيد المقرب، الذي يتحول من شاب هادئ مهتم بالسياسة إلى ثائر يرفع لافتات تطالب بحقوق الإنسان ويتعرض للاعتقال.

وهناك كريستينا، الفتاة الذكية ذات العيون الخضراء، التي تقف إلى جانبهما وتؤمن بقضية ديفيد رغم أنها لم تره منذ شهور.

وهناك أيضاً جينيفر والدة ويليام، الباحثة في مركز مانهاتن للبحوث، التي تكافح من أجل كشف سر خلايا هنريتا، وتواجه رفض مديرها المتعجرف السيد باركر.

بل إن الحبكة تصل إلى مشاهد مؤثرة داخل السجن الأمريكي الذي تحتله القوات الصينية، حيث يكتب ديفيد رسائله لأمه بقلب محترق، معترفاً بندمه على انطوائيته السابقة وعناده.

في السجن، يعذبه القائد الصيني جانغ لي، ويهدده بتصفية عائلته إن لم يتعاون، لكنه يثبت بفضل وعيه التاريخي أن الخلايا الخارقة لا تصنع بطلاً خارقاً بالضرورة، بل تصنع إنساناً يختار أن يظل صامداً رغم ضعفه.

ثم في ذروة الأحداث، تتدخل منظمة الحقوق الدولية، وتفرج عن ديفيد، ويسافر مع عائلته إلى روسيا حيث الآمان الموعود، لكن المفارقة المرعبة أن الرجل المجهول الذي قاد هذه المنظمة يضحك ضحكة خبيثة، كاشفاً أن اللعبة لم تنته بعد.

وهكذا، تترك الكاتبة النهاية مفتوحة، وكأنها تقول: الاستغلال البشري لا ينتهي، فقط يتغير شكله.

على هذا النحو الفلسفي، تنجح حبيبة كمال في تقديم رواية خيال علمي تحترم عقل القارئ، ولا تقدم له إجابات سهلة، بل تطرح أسئلة: من يملك جسدك بعد موتك؟ هل الخلود نعمة أم لعنة؟ ومتى يتحول العلم من أداة إنقاذ إلى أداة استعباد؟

تظل هنريتا حاضرة في كل صفحة، كأن الكاتبة تريد أن تقول: نعم، هي ماتت، لكن ضحكتها الأخيرة لم تُسمع بعد.