حديث الروح والقلب

تصحو النفس على قرع طبل الفقد، فتنثر الذكرى كغبار على سحب ضباب. من بعيد، تلوح تفاصيل ممحاة، خيالات أصبحت همساً، جورية حب ننتشي منها، وضحكة سرعان ما تعقبها دمعة. شوقٌ ينبض، فتهز الفؤاد طعنة أخرى، آلامٌ تمر كطيفٍ عابر. أولئك الذين كانوا كل شيء، غدوا مجرد كلماتٍ مجتزأة، نخطفها من سماءٍ بعيدة، كطيور النورس المهاجرة، تأتي لتخطف الأنظار ثم ترحل دون مبيت. عامٌ تلو الآخر، تمر أيامنا، وما يبقى سوى قصاصات كلماتٍ تبعث على التذكير بمرورهم. كصندوقٍ صغيرٍ يحتفظ بفتات الحكايات، يهمس لنا بأنهم كانوا هنا. نورس الذكرى يزورنا يوماً، فننتظره. ثم يأتي إعلانٌ صادح: حرية. روحٌ تتخلص من قيود الروح، وقلبٌ يلفظ الحب الواهي. دموعٌ سقطت بلا يدٍ تمسحها، أقسمت الروح أن تسترد حقها، فتحررت ممن كانوا سجناً. قلبٌ خالٍ، لن يسكنه أحدٌ بعد اليوم، وأميرٌ أسطوريٌّ لا يظهر إلا على جدران القلب، مرسوماً بالدم. حديث الروح والقلب
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhpDZ6ZTEhbyd-ob3htbhQnyR8-WFGeRPrJ6OVNk5X2QGUG55uy9Pgq8w1aJnUcujKCXlz_LqLwyMhPLxEu25oPQJ4Sn2lRcgkkCPDpp1B7dRxvfDqcAQIRVdvv2oM2FECNma3ptsEzm67A7u2XLlwvOpiOGd2Or4nBA1B10_yLQ7NZapmXaBiwyCsIJlU/s720/279.jpg

تصحو النفس على قرع طبل الفقد، فتنثر الذكرى كغبار على سحب ضباب. من بعيد، تلوح تفاصيل ممحاة، خيالات أصبحت همساً، جورية حب ننتشي منها، وضحكة سرعان ما تعقبها دمعة. شوقٌ ينبض، فتهز الفؤاد طعنة أخرى، آلامٌ تمر كطيفٍ عابر. أولئك الذين كانوا كل شيء، غدوا مجرد كلماتٍ مجتزأة، نخطفها من سماءٍ بعيدة، كطيور النورس المهاجرة، تأتي لتخطف الأنظار ثم ترحل دون مبيت.

عامٌ تلو الآخر، تمر أيامنا، وما يبقى سوى قصاصات كلماتٍ تبعث على التذكير بمرورهم. كصندوقٍ صغيرٍ يحتفظ بفتات الحكايات، يهمس لنا بأنهم كانوا هنا. نورس الذكرى يزورنا يوماً، فننتظره. ثم يأتي إعلانٌ صادح: حرية. روحٌ تتخلص من قيود الروح، وقلبٌ يلفظ الحب الواهي. دموعٌ سقطت بلا يدٍ تمسحها، أقسمت الروح أن تسترد حقها، فتحررت ممن كانوا سجناً. قلبٌ خالٍ، لن يسكنه أحدٌ بعد اليوم، وأميرٌ أسطوريٌّ لا يظهر إلا على جدران القلب، مرسوماً بالدم.

حديث الروح والقلب خواطر 279 128 سبتمبر 2019 yes 201091985809 أمل عسكر كاتبة مصرية

تفتتح أمل عسكر في ديوانها "حديث القلب والروح" نافذة على وجدان إنساني مأزوم، يحاول استعادة ملامحه من بين ركام الانكسارات العاطفية والذكرى التي جفّت منابعها. الكتاب في جوهره ليس مجرد تدوين لخواطر ذاتية، بل هو محاولة أدبية لترميم الشروخ التي تخلفها الخيبات في جدار الروح، حيث تتصاعد نبرة الأنثى التي تقرر فجأة أن تنفض غبار التبعية لتعلن استقلالها الوجودي. تبدأ الكاتبة رحلتها بوصف الذكريات بوصفها سحابات ضبابية، تتلاشى فيها الملامح ولا يتبقى منها سوى وخزات الشوق أو طعنات الخذلان، مستخدمة استعارة "طيور النورس" لتعبر عن العابرين في حياتنا الذين يرحلون دون مبيت، مخلفين وراءهم قصاصات في صناديق مهجورة. هذه الافتتاحية الحزينة لا تستسلم طويلاً للشجن، بل تتحول سريعاً إلى صرخة تمرد تحت عنوان "إعلان حرية"، حيث تخلع بطلة النص قيود الحب الواهن الذي أسكنها السجون الروحية لسنوات.

التحرر في هذا العمل لا يأتي من فراغ، بل هو ابتكار لصمت جديد، صمت يرفض العبودية العاطفية ويختار العزلة بوصفها وطناً بديلاً. تستدعي النصوص صورة "القصر الذهبي" الذي يظل في النهاية قفصاً مهما كثر طعامه وشرابه، وهي صورة تذكرنا بما ذهب إليه جبران خليل جبران حين رأى أن حرية الإنسان تبدأ من تحطيم أصنامه الداخلية أولاً. أمل عسكر ترسم لوحة مؤلمة للحب حين يتحول إلى طريق شائك يسير عليه المرء حافياً، أو كقطع زجاج مهشمة ينزف عليها الجسد، مؤكدة أن أقسى أنواع الوجع هو ذلك الذي يأتي من يد كنا نظنها الملاذ. تبحث الكاتبة في نصوصها عن "صخرة" تأوي إليها، عن مرفأ لا يلفظها، لتكتشف في نهاية المطاف أن الأبواب الموصدة في وجوه البشر لا تفتح إلا في رحاب الروحانية والارتباط بالخالق، حيث تجد السكينة التي افتقدتها وسط صخب العلاقات الزائفة.

ينتقل الكتاب ببراعة من جلد الذات وعتاب الحبيب إلى فضاءات أرحب من الرحمة والإنسانية، حيث تخصص الكاتبة مساحات للحديث عن "القلب الصادق" الذي يسعده القليل ويقتله الغدر. تصف هذا القلب بكونه طفلاً نقياً يظل يتساءل في دهشة: "لماذا فعلتم بي ذلك؟" دون أن يجد إجابة سوى الصدى. هذه الرقة في التعبير تقابلها قسوة العالم الخارجي التي استطاعت مع الأيام تجريف المشاعر وتبوير الأرض الخصبة بداخلنا، مما أدى إلى هجران طيور الفرح وموت نباتات الأمل. التحول من الحب إلى القسوة يظهر هنا كخراب شامل، يشبه اختفاء الشمس والقمر من سماء العاشق، وهو ما يجعل النص يفيض بمرارة التجربة التي تعلمت منها الكاتبة أن الأمان المطلق في البشر وهمٌ لا بد من الاستيقاظ منه قبل فوات الأوان.

تتوج الأديبة عملها بمناجاة شديدة العذوبة للأم، بوصفها الضلع الثابت في عالم مائل، والوطن الوحيد الذي لا يغلق أبوابه. الشوق للأم هنا ليس مجرد حنين ابنة، بل هو بحث عن المعنى الذي فقده الكون برحيلها، حيث تشعر الكاتبة أن الشمس لم تعد تدفئ كما كانت، وأن نور القمر قد شحب. الأم في هذا النص هي المعلمة، وهي طيف الدعاء الذي يطمئن الروح في لحظات الضعف، وهي الكلمة التي تحمل خلفها سيلاً جارفاً من الأمان الذي عجزت كل علاقات الحب الأخرى عن توفيره. إن "حديث القلب والروح" رحلة تبدأ من الانكسار المرير، وتمر عبر نفق التحرر من الأغيار، لتنتهي عند أعتاب اليقين بأن الذات هي القلعة الأخيرة، وأن الحب الحقيقي هو ذلك الذي لا يسلبنا أنفسنا بل يعيد تشكيلنا من جديد.