امتنان

عبرت أمٌّ تحتضر عن أملها الأخير لابنتها، ترجو منها أن تصير عروساً وأماً، لا أن ترث حزنها. كانت الابنة، التي رزقت الأمومة بعد عناء، تشعر بثقل ألمها الخاص، لكنها اختارت أن تطمئن قلب والدتها، وأن تحتفظ بآلام ليلتها تلك حبيسة نفسها. ليلةٌ ضاعت فيها أحلامها بعد أن نصحتها صديقة طفولتها بقبول أيّ عريس، فقد فاتها قطار الإنجاب. بينما اكتفت الأم بكلماتٍ عن الأرزاق المكتوبة، قررت الابنة قطع حبل الوصل بتلك الصديقة، متجنبةً أيّ تذكيرٍ بمأساةٍ تحملها. أدركت الفتاة أن الصداقة لا تُقاس بالسنوات، فها هي تتقاسم الآلام والآمال مع "العوض"، صديقة السكن الجامعي التي باتت مرآةً لها، تعكس لها قيمتها وتشجعها على تجاوز مشوار الصبر الطويل، مؤكدةً لها أن الفرَج قريب، رغم زواج صديقتها الذي غيّر ديناميكية تواصلهما، تاركاً وراءه أثراً قاسياً ولكنه لم يكسر روحها، بل دفعها نحو الدراسات العليا، نحو سعيها الأكاديمي. امتنان
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEguFoRQOxLc1yWWAB3BM-__hL6tevFRHOUnbFa_XZFyiJdNWSFvT8srJWIypoMhXSgvscX6ehyphenhyphen_1XmwtVYmulhuZAtT26OADFjtUnfYSzhLbkq56ptdOF2U6Bc78Nyd0OgEFoUfUm3hAevGAv3zNZegcqrtXPYFVhCGxRR6uM5cMNVYHJqi997Dm8Pgx9U/s320/377.jpg

عبرت أمٌّ تحتضر عن أملها الأخير لابنتها، ترجو منها أن تصير عروساً وأماً، لا أن ترث حزنها. كانت الابنة، التي رزقت الأمومة بعد عناء، تشعر بثقل ألمها الخاص، لكنها اختارت أن تطمئن قلب والدتها، وأن تحتفظ بآلام ليلتها تلك حبيسة نفسها. ليلةٌ ضاعت فيها أحلامها بعد أن نصحتها صديقة طفولتها بقبول أيّ عريس، فقد فاتها قطار الإنجاب. بينما اكتفت الأم بكلماتٍ عن الأرزاق المكتوبة، قررت الابنة قطع حبل الوصل بتلك الصديقة، متجنبةً أيّ تذكيرٍ بمأساةٍ تحملها. أدركت الفتاة أن الصداقة لا تُقاس بالسنوات، فها هي تتقاسم الآلام والآمال مع "العوض"، صديقة السكن الجامعي التي باتت مرآةً لها، تعكس لها قيمتها وتشجعها على تجاوز مشوار الصبر الطويل، مؤكدةً لها أن الفرَج قريب، رغم زواج صديقتها الذي غيّر ديناميكية تواصلهما، تاركاً وراءه أثراً قاسياً ولكنه لم يكسر روحها، بل دفعها نحو الدراسات العليا، نحو سعيها الأكاديمي.

امتنان رواية 377 132 يناير 2020 yes 201091985809 أماني زهيري كاتبة مصرية https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjB0XeS-77pnz0C9Ms2HlRltnc_VW-kjDKYgVn6qSXGTy-pMNNqD3ySO1KqMK22JDEmL9PbU4U_pjKfIuHEFRhM1WaT7WNfzgcff6qDLeMf1DId-PUQIdnreC1AqtwLvILzQt1YlCVYZiE81hJKsftCOzkR0v8qQSpeucbk3dZzuL9S0gij5MrZhCvuciI/s295/%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1%D9%8A.jpg

تتفتح الرواية بإهداءات تنحت في الروح، قبلة على جبين الأم التي تمثل الملاذ الأخير، وكلمة امتنان لمعلمة أصبحت صديقة، ورسائل حب لأخوات وصديقات، وأب حان، وطفلتين تحملان بقايا رائحة الأم. ثم تأتي الأهدائات التي تتجاوز النسَب، لتنحني أمام "أبطال الرواية الحقيقيين"، أحمد وإيمان، اللذين جمعتهما الأوراق بعدما حال الواقع دون لقائهما.

تنساب السطور لتكشف عن بطلة تحلم بأن تكون عروسًا وأمًا، لكن قلبها لم يطمئن إلا حينما وجدت زوجًا يمنحها الأمان. هي، التي أنجبت بعد رحلة عصيبة من الحقن المجهري، تخشى أن تبوح لوالدتها بآلامها، خشية أن تزيد أعباء قلب أم تحتضر. ترفض أن تخبر الأم بتفاصيل ليلتها التي سهرت فيها بعد نصيحة صديقة طفولتها بقبول أي رجل يتقدم، فقد فاتها قطار العمر، وأصبحت فرصها في الإنجاب ضئيلة. الوالدة، بدورها، لا تملك سوى أن تطمئن ابنتها، متسلحة بإيمان بأن الأرزاق بيد الله، فلا يملك أحدٌ مفاتيحها.

تتغير نبرة السرد، فتقف البطلة عند مفترق طريق، تقرر فيه قطع حبل التواصل مع صديقة أخرى، بعد أن أدركت أن صداقتهما كانت مجرد وهم. تلتقي عوضًا عنها بصديقتها "عوض"، رفيقة السكن الجامعي التي جمعتهما الصدفة، لتنمو بينهما صداقة تتجاوز سنوات الجامعة. تتبادل الاثنتان ثقل الألم والأمل، وتقدم إحداهما للأخرى مرآة ترى فيها ما يميزها، وما يجعلها توقن بأنها تستحق الأفضل، وأن الطريق الطويل للصبر بات قريباً من نهايته. لا يمنع بعد المسافة من تواصلهما، فقد تغلبت التكنولوجيا على هذا الحاجز، لكن زواج صديقتها منذ عامين شكل صدمة، وخاصة أنها كانت مصدر إلهام لها للسعي نحو الدراسات العليا.

في مشهد آخر، تتكشف عن لغة أخرى من الحب. يعبر أحمد عن حبه لإيمان بكلمات تحمل سحر الحكايات، يترك لها "عفريتًا صغيرًا" في غرفتها لتسليتها في غيابه، فينتابها خوف طفولي، ولكن سرعان ما يتبدد حينما يطمئنها بأنه مجرد طفل مثلها. تغامر هي وتطلب منه البقاء على الهاتف حتى تنام، فيحكي لها قصة، لتكشف عن جانب طفولي شقي فيها، رغم ما يبدو عليها من نضج وحكمة. يطلق عليها لقب "مجنونة"، لكنه يستجيب لطلبها، وتنساب بينهما أحاديث حتى يغلبها النوم.

يفتح الباب على فترة زمنية قادمة، حيث يغيب أحمد لأكثر من أسبوع. تستغل البطلة هذا الغياب لتقوية علاقتها بمنزلها، وتوطيد العلاقة مع أمها، بل ومع "محمود" الذي أصبح أخًا لها. لكن العلاقة الأقوى التي تتشكل هي مع "مهى"، ابنة عم أحمد، التي تسكن في الطابق العلوي. تبدو هذه العلاقة واعدة، كأنها بداية لنهاية وحيدة.

تتوالى المشاهد، وتتداخل الأحداث، لترسم لوحة إنسانية عميقة. تتمازج فيها خيوط الحب والفقد، والأمل واليأس، والصداقة والخيانة، لتنسج قصة لا تخلد في الذاكرة كمعلومات جافة، بل تعيش في الوجدان كأصداء لحياة تنبض بالعاطفة. إنها رحلة استكشاف للذات، وللعلاقات التي تشكل نسيج الحياة، بريشة فنان يدرك أن الكلمة تستطيع أن تحيي المشاعر، وتمنح القارئ تجربة عيش لا مجرد قراءة.