غربة روح

عاد القلم إلى يدي بعد جفاء طويل، وكأن روحي قد استيقظت من سبات عميق. كانت الأيام تمضي في رتابة لا تطاق، لا جرائد الأخبار ولا تفاصيل الحياة المملة قادرة على إشعال فتيل الإلهام. الشوارع، الوجوه، سكون الليل وصخبه، كلها تشابهت في بهتانها. وحده لقاء عينيك، ذلك اليوم الذي عرفت فيه أنك أنثى، بعثر سكوني. تغير تاريخ ميلادي، وامْتَزَجَتْ ألوان السماء في قلبي بلون جديد، لون أنتِ. أرى الدنيا بعين أخرى، تتسع لتشمل كل تناقضاتي، كل آلامي وأحلامي. في ذلك اليوم، صالحني القلم، فاضت روحي، وأردت أن أعلن للعالم قصة أنوثة قد تجد نفسها في عالمٍ فعلُه دائمًا ما يُبنى للمجهول. أخشى عليكِ من قسوة هذا العالم، من جلده المصنوع من انتظارٍ لا ينتهي، وأنا التي أردتُ أن أحملكِ بيقينِ أن رحمي هو أمنُ كونكِ. غربة روح
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi7TWaJhh4FhVMEArDKXKumcmHkPT9MWY_EWLKzPh1khKr2ZlFPYTem3zceqwHCt0ztgPAsL4gIi3iaP9bRkHt57mzrUcXAn5jMOJzab2-UPIfUX3yoBsGXXtkPyyTLvHz5NcJEUxfJ3iVm3S-v-ooCB89Ey72V08JBxJDBrrU6cr6mhK5M4xTse3yBGCE/s320/327.jpg

عاد القلم إلى يدي بعد جفاء طويل، وكأن روحي قد استيقظت من سبات عميق. كانت الأيام تمضي في رتابة لا تطاق، لا جرائد الأخبار ولا تفاصيل الحياة المملة قادرة على إشعال فتيل الإلهام. الشوارع، الوجوه، سكون الليل وصخبه، كلها تشابهت في بهتانها. وحده لقاء عينيك، ذلك اليوم الذي عرفت فيه أنك أنثى، بعثر سكوني. تغير تاريخ ميلادي، وامْتَزَجَتْ ألوان السماء في قلبي بلون جديد، لون أنتِ. أرى الدنيا بعين أخرى، تتسع لتشمل كل تناقضاتي، كل آلامي وأحلامي. في ذلك اليوم، صالحني القلم، فاضت روحي، وأردت أن أعلن للعالم قصة أنوثة قد تجد نفسها في عالمٍ فعلُه دائمًا ما يُبنى للمجهول. أخشى عليكِ من قسوة هذا العالم، من جلده المصنوع من انتظارٍ لا ينتهي، وأنا التي أردتُ أن أحملكِ بيقينِ أن رحمي هو أمنُ كونكِ.

غربة روح رواية 327 76 نوفمبر 2019 yes 201091985809 هاجر أصنام كاتبة جزائرية

تلك الأيام، استعاد القلم سُلطته بعد جفاء. كانت العودة لمداعبة الكلمات، لقاءً بعد فراق طويل، وبعد هجران للحروف وخيانة للأبجدية. فاضت الروح حبراً على أسطرٍ أعياها الانتظار. لم يأتِ الإلهام من ضجيج الأخبار المتعبة، ولا من تفاصيل الحياة المملة، ولا من الشوارع المزدحمة أو الوجوه العابرة. سكون الليل وضوضاؤه، لم يكن لهما أثر. ألهمتني أنت.

رأيتُ انحناءاتك الصغيرة، أولى حركاتك، وأدركتُ أنكِ أنثى. توقف الزمان، وطُوي تاريخ ميلادي القديم. تغيرت أطياف السماء، واختلط في القلب لونٌ جديد. أصبحتُ أرى الدنيا بمنظارٍ لم أعرفه من قبل، وأرى كل الآمال والآلام والأحلام المتناقضة، كل ركنٍ مظلمٍ في روحي، وكل وجعٍ طُوي سراً. أعلن القدر أنكِ أنثى، فتحركت الأنامل، وفاضت الروح، وتصالح القلم.

أردتُ أن أكتب، أن أملأ الأوراق والجدران والبساتين، أن أجوب العالم وأقرع الأبواب. أردتُ أن أعلن للعالم عنكِ. أحملُ عبء أنثى في عالمٍ يُبنى فيه الفعل للمجهول، عالمٌ يجعلها تنتظر في طابور المنفيين. كنتِ هادئةً في ثوب الطهر، في موكبٍ مهيبٍ تحرسه الملائكة، نائمةً، مستسلمةً، واثقةً بقدرك. هل أيقظ سكونكِ براءتكِ؟ هل أفسدتُ عليكِ قيلولتكِ؟ هل فتحتُ النافذة لتلتقي قدركِ؟ هل أخاف عليكِ من نسماته؟ هل في الكون مكانٌ آمنٌ لكِ سوى رحمي؟ لكن من يعلم، ربما لن تكوني من المنفيين.

كانت الأيام تمر، وأنا هادئةً، مترقبةً، كمن ينتظر فقط مرور الزمن، أو ربما ينتظر شيئاً ليكسر سكون الأيام، ضوضاءً ما، أو ربما كنتُ أنتظركِ أنتِ. لم تثر اهتمامي الأحاديث الكبيرة، ولا الاجتماعات الطويلة، ولا استهواني ذلك العالم. شعرتُ بالملل في مقاعد الدراسة، حين لم يستطع المحاضر شد انتباهي، وفي المناسبات العائلية، وسط الزحام والوجوه الكثيرة. شعرتُ بالوحدة، وكنتُ أعيش غربتي.

مع ذلك، استمررتُ في النهوض باكراً، والذهاب إلى العمل. كنتُ أبتسم، وأسرح بعيداً، في مكاني المفضل بجانب النافذة. أفكر في كل شيء، أحاول فهم هذا الكون، أحاول فهم نفسي. أسعى لأجد طريقاً لأحلامي التي لم تتسع لها تلك الوظيفة، ولا تلك الأيام العادية. أيامٌ لا تتغير، تختنق بين سير السيارات، والمباني العالية، والناس المتسارعون، غير ملتفتين لبعضهم البعض. تأملتُ العابرين، هل كانوا مثلي؟ هل يعيشون غربتي؟

المدينة كبيرة، والوجوه تتغير كل يوم، لا وقت للنظر. الكل يحمل هاتفه، يتناول وجبته الخفيفة بسرعة. الشوارع صاخبة، احتفالاتٌ كبيرةٌ بألوانٍ مخفية، وجوانب مظلمة للأزقة الضيقة. العالم يزداد تعقيداً، يزداد جنوناً. الصحف تفيض بالأخبار المتناقضة، العبثية، تذكرك بأن هذا العالم لم يعد مكاناً آمناً، ولم يعد يستوعب أحداً. هل كان من السهل ترك كل شيء؟

لم يخبرونا عن الشمس كثيراً، تلك التي تلونها القنوات. لم يحدثونا عن التقدم والحضارة الموجودة على الضفة الأخرى، أين الأحلام؟ أين ذلك التقدم الذي سمعنا عنه؟

غربة الروح، هاجر أصنام. روايةٌ صدرت في نوفمبر 2019، برقم إيداع 2019MO5850، ورقم دولي ISBN 978-9920-668-39-2. هذا الكتاب، كغيره من إصدارات دار لوتس للنشر الحر، يمنح الكاتب كافة الحقوق والحرية الكاملة لنشر إبداعه دون احتكار. مسؤولية الآراء والأفكار والمعتقدات تقع على عاتق المؤلف وحده، ولا تتحمل دار النشر أي مخالفات قانونية.

يُمنع نسخ هذا الكتاب أو جزء منه بأية طريقة دون موافقة المؤلف أو دار النشر. هذا العمل مرخّص بموجب المشاع الإبداعي، نَسْب المُصنَّف 4.0 دولي.