جنينة العكارشة

في جنينةٍ عُمّرت بالحياة، وأسوارها تعزفُ لحنَ الأمان، جلس محمود علي درويش، الملقب بـ"عكرشة"، مستسلمًا لنسائم الربيع. كانت الأشجار تلقي بظلالها الوارفة، والأزهار تبوح بعطورها، والطيور تغرد ألحانًا تبعثُ السرور. هذه الجنينة، لم تكن مجرد بقعة أرض، بل كانت عالماً قائماً بذاته، يختزلُ ماضياً وحاضراً، ويحملُ في طياته أسراراً دفينة. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت تكمنُ قوى متحفزة، ورغباتٌ ملتهبة، تنتظرُ ساعةَ الصفر لتُطلقَ عنانها. درويش، هذا الرجل الذي اعتمد على عكازٍ ليس علامة ضعفٍ بل رمز قوةٍ عرفتها يداه، يتجهُ نحو مواجهةٍ حتمية، مدفوعاً بأمرٍ في داخله يلحُ عليه. البابُ العتيقُ للجنينة، الذي اعتادَ أن يفتحَ بقدمه، اليومَ يقرعهُ بعنفٍ متتابع، علامةً على أن شيئاً قد تغير، وأن الهدوءَ الذي سادَ طويلاً قد شارفَ على الانتهاء. جنينة العكارشة
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgz8V9Fvc3cySRfmG30pOIzuEYty0X-ySkYBxN3T3d05XWmK50qmUgvQZw-ysXkiqrXPFxgpfHldH1emsTjPh7RyeBQruShPJEfuzqnAn6J01KYb5jwgO8pMXzUg7oUooVRZ8DZ3lOijFHs9blXDJVYGdZ9I6_KH0uIbi8YW4zyBTOcy-KESia4ePI2NOo/s320/459.jpg

في جنينةٍ عُمّرت بالحياة، وأسوارها تعزفُ لحنَ الأمان، جلس محمود علي درويش، الملقب بـ"عكرشة"، مستسلمًا لنسائم الربيع. كانت الأشجار تلقي بظلالها الوارفة، والأزهار تبوح بعطورها، والطيور تغرد ألحانًا تبعثُ السرور. هذه الجنينة، لم تكن مجرد بقعة أرض، بل كانت عالماً قائماً بذاته، يختزلُ ماضياً وحاضراً، ويحملُ في طياته أسراراً دفينة. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت تكمنُ قوى متحفزة، ورغباتٌ ملتهبة، تنتظرُ ساعةَ الصفر لتُطلقَ عنانها. درويش، هذا الرجل الذي اعتمد على عكازٍ ليس علامة ضعفٍ بل رمز قوةٍ عرفتها يداه، يتجهُ نحو مواجهةٍ حتمية، مدفوعاً بأمرٍ في داخله يلحُ عليه. البابُ العتيقُ للجنينة، الذي اعتادَ أن يفتحَ بقدمه، اليومَ يقرعهُ بعنفٍ متتابع، علامةً على أن شيئاً قد تغير، وأن الهدوءَ الذي سادَ طويلاً قد شارفَ على الانتهاء.

جنينة العكارشة رواية 459 350 أغسطس 2020 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgzMu3vB0uwH3TLrBys9ZCwSbZVcDMLF7_7d3bRK5E7T7UCYRykThVvXk4UQdIsK_mIRqj4vqs18acYs9HAtfp3sj7EWOGRtXehBwQ1brBiW8Z79jerzyR4SF0ZsnPad0wNr_nTngOwrpNHVth-D9xkM6HKEraegLCXzdYNvy3TsrKuS6i7fCEQS87vJDc/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

في جنينة العكارشة العامرة، حيث الأسوار العالية وأشجارها الوارفة، جلس محمود علي درويش، الملقب بـ "عكرشة"، على أريكة من جريد النخل. استمتع بنسائم الربيع الهفهافة، متشوّقًا لنضج الثمار الوليدة من بتلات الأزهار الفواحة بالعطر، يطربه شدو الزرازير وهديل القماري. لكن هذا الهدوء الظاهري لم يلبث أن اهتزّ. انطلق درويش من بيته عازمًا على حسم أمرٍ طالما أرهقه وأضناه. لم يجد مفراً من المواجهة، مرددًا بينه وبين نفسه المضطربة: "يجب أن تحسم الأمر اليوم يا درويش". كان يعتمد في مشيته على نبوتٍ ليس عجزًا فيه، بل فتنة و خيلاء، فقد لازمته منذ اشتد عوده. مشى حتى وصل إلى الجنينة، مدفوعًا برغبة مستعرة، وطرق بابها بعنف، طرقات متتابعة كادت تصدع مفاصله وتشــرخ لوحاته العتيقة، حتى سمع صوتًا قادمًا من بين أشجاره.

في مكان آخر، كانت زمزم تخفف من أثقال أبيها وتسأل عنه، فخرجت منه مثقلة بهمومه، حزينة، تخشى الصدام المرتقب بينه وبين درويش. تخشى الفتنة التي تدمر ميراثهم، جنينتهم التي هي تراث وتاريخ، فمن ليس له تاريخ ليس له حاضر ولا مستقبل. ومن نزعت جذوره ماتت أوراقه، وصار حطامًا تذروه الرياح.

غادر درويش غاضبًا، وودعه يونس بنظرة ساخطة، يحاول أن يضع على وجهه قناعًا من اللامبالاة والهدوء، لكن عروق جبينه النافرة ونظرات عينيه الملتهبة خانته. دخل العصارة وهو صامت، جلس على عتبة باب المطبخ، بينما تدور في باطنه إعصار من الغضب والسخط على أخيه درويش. سحب عود قصب، أخذه يقشره ويقضم عقله، وكأنه يقضم غيظه، يتمتم بغيظ مكتوم: "أهكذا وبكل بساطة تتحدى والدنا يا درويش؟". فزع بعد أن تراءت له الجنينة حطامًا أو ملكًا للعمده، وتراءى له والده يموت حسرة وكمدًا بسبب حماقة درويش. قال وهو يجز على أسنانه: "لا عاش ولا كان من يقهر أبي". عاد إلى ثباته، فهو الحكيم الذي لا يندفع في تصرفاته، لكن هدوءه لم يمنع أن تظهر علامات الامتعاض على محياه، فهو يكره ما يريده العمدة ويسعى إليه درويش مدفوعًا بإرادة ليست كراهية.

في بيت آخر، كان عبد الحليم، الفارس الصغير، نائمًا. استيقظ على صوت جده العكارشة، الذي داعبه وقبّله. فتح عبد الحليم ذراعيه لجده، فأخذه في حضنه، ثم شد على أذنه مداعبًا: "أتنام وتترك الدار حراسة؟". فرد الولد بعفوية: "أغلقت بابه يا جدي؟". ابتسم الرجل، وغمز لآمنة، وسألها: "حصل يا آمنة؟". أجابت: "حصل يا عمي". قال: "إذن فهو فارس". قالت آمنة وهي تضحك رغم الوجع: "بل أبو الفوارس". ثم قال الجد: "إذن للفارس هدية". سأل عبد الحليم بلهفة: "حقًا يا جدي؟".