جميزة الشيخ مسعود

في ركن قصي من بلدة مصرية، حيث ينام الضريح تحت ظل شجرة جميز وحيدة، يبدأ الحلم، وتُروى الحكايات. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية؛ إنه نافذة على عالم مزدحم بالخرافة والطفولة، بالبساطة والدهشة. من "جميزة الشيخ مسعود" التي تمنح ثمارها لمن يؤمن ببركتها، إلى "المقرزان" الذي كان يعلن قدوم رمضان بنقراته التي كانت تجمع الصغار في رقصة جماعية، وصولاً إلى "عمود توفيق" الذي تعلق به ولد صغير ليحقق حلمه. الكاتب، محمد عبد النعيم، يرسم لوحة حية لقرية تعيش على إيقاع الأضرحة والزفات، حيث يختلط المقدس باليومي، وتتقاطع الأساطير مع تفاصيل العيش البسيط. بأسلوب شفاف وحنون، يلتقط لحظات توشك على الاندثار من الذاكرة، ليعيد إحياء عوالم كانت تملأها البساطة والروح الجمعية، في زمن لم تكن فيه الشاشات قد سرقت دفء الليالي. جميزة الشيخ مسعود
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEgHiPlKse60yAbd7r78ejzJNlFsZeeW30CgSKWmLacCPV1MYFidt4L1Y0U8hGA2HGYBJ6RlCmIy-8vsI33qQ_g3Pk9zSYE0cKSvobCN4IDr_Scme9QJGFPKkdNQOQmEoFECRrEkvMrcPU6JmknrmILGuTRhit7rxZp2gvnc9B6SrzAbfLyur3C08GTroEQ/s320/682.jpg

في ركن قصي من بلدة مصرية، حيث ينام الضريح تحت ظل شجرة جميز وحيدة، يبدأ الحلم، وتُروى الحكايات. هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية؛ إنه نافذة على عالم مزدحم بالخرافة والطفولة، بالبساطة والدهشة. من "جميزة الشيخ مسعود" التي تمنح ثمارها لمن يؤمن ببركتها، إلى "المقرزان" الذي كان يعلن قدوم رمضان بنقراته التي كانت تجمع الصغار في رقصة جماعية، وصولاً إلى "عمود توفيق" الذي تعلق به ولد صغير ليحقق حلمه. الكاتب، محمد عبد النعيم، يرسم لوحة حية لقرية تعيش على إيقاع الأضرحة والزفات، حيث يختلط المقدس باليومي، وتتقاطع الأساطير مع تفاصيل العيش البسيط. بأسلوب شفاف وحنون، يلتقط لحظات توشك على الاندثار من الذاكرة، ليعيد إحياء عوالم كانت تملأها البساطة والروح الجمعية، في زمن لم تكن فيه الشاشات قد سرقت دفء الليالي.

جميزة الشيخ مسعود مجموعة قصصية 682 86 يونيو 2022 yes 201091985809 محمد عبد النعيم كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEiFpSGCRF5FRD86cfUBPFw29N3xSw-KpkC623ccGWdASm4NKqfQyhIzAHMxioC338s-3lv1SnfsZwNDr3pGPecYyYeUBNfpW4MeQ25sXiAVDB1JAG2o_tb9qeTQGEJ4gVXsYSAKnBWjSo7OnOjG6W73Rrt1ukBUnz7VTUxUpyR-v0wqj56m8d1fCvvj3zA/s295/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B9%D9%8A%D9%85.jpg

تضم هذه المجموعة القصصية للكاتب محمد عبد النعيم عوالم قروية مترعة بالسحر اليومي، حيث يتشكل الوعي الجمعي من خلال تفاصيل صغيرة، وأماكن شبه أسطورية، وشخصيات تترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة السارد. تبدأ القصة الأولى، التي تحمل عنوان المجموعة نفسها، بسارد يذهب إلى ضريح الشيخ مسعود ليجمع ثمار الجميز التي تسقطها الريح تحت الشجرة. لكنه في إحدى المرات، لا يجد شيئاً. ينتظر، فيأتيه شيخ متوهج بالبياض، يبدو كأنه خرج من قلب القمر، يوجهه ويتحدث إليه، ثم يختفي فجأة، تاركاً خلفه ثماراً على عتبة الضريح. لكن الثمار تختفي من جيبه، لتظهر في جيب آخر، في لعبة بين الواقع والخيال، بين الحلم واليقين، تكاد تخلط أوراق السارد وتجعله يتساءل عما إذا كان كل ما جرى حقيقة أم وهماً. هذه الحكاية، التي تنفتح على تساؤلات عن البركة والكرامة والخوارق، ترسي نغمة المجموعة، حيث يتردد السارد بين التصديق والتشكيك، بين رغبة الطفل في التصديق وسخرية الرجل الناضج.

في قصص "المقرزان" و"الوحشة" و"عمود توفيق"، يتعمق الكاتب في استحضار تفاصيل الحياة اليومية في بلدة مصرية، مستعيداً طقوساً كانت تشكل وجدان الصغار والكبار على حد سواء. المقرزان، ذلك الإناء الفخاري الذي كان "بعزق" يقرع عليه ليعلن موعد الإفطار والسحور في رمضان، لم يكن مجرد آلة إيقاع، بل كان رمزاً للبهجة الجماعية، وتجسيداً لروح التضامن في القرية. بعد أن غابت هذه العادة بظهور التلفزيون والمكبرات، تتحول إلى ذكرى حارة، تُستدعى في حوار بين السارد و"بعزق" نفسه، حيث يكتشف أن المقرزان ما زال محتفظاً به، وحين يعيدان النقر عليه، تعود لحظات من الزمن الماضي كأنها لم تمضِ. وفي "الوحشة"، يرصد الكاتب ذلك الشعور المزدوج بين الفرح برمضان والأسى لوداعه، من خلال أنشودة "التوحيش" التي كان يرددها الشيخ عالم مع الأطفال بعد صلاة التراويح، ونكتشف هنا كيف أن سرقة نعل الشيخ قبل العيد، وخاتمة تلك القصة، تصبح نموذجاً مضحكاً لصراع صغير بين الكرامة والتواضع، وبين الجد والهزل.

تتعدد الحكايات لتشمل شخصيات عالقة في الذاكرة، كـ"سيد بدوي" الذي نشأ حبيساً وراء نافذة بسبب نبوءة أمه، ثم خرج إلى الدنيا كشخص باله، ليكون محور إحدى أجمل ليالي الساردين حين يلعبون معه لعبة "الصفات". تلك اللعبة التي تأخذ شكل لغز جماعي، حيث يصف اللاعبون شخصاً غائباً بصفات غامضة حتى يكشف هويته. في هذه القصة، يكشف السارد عن تماسك الجماعة وكيف أن سيد، الذي كان يُعد دمية سخيفة، يصبح بعدها جزءاً من النسيج الاجتماعي بفضل تلك اللعبة التي كسرت عزلة بيته. وفي "زفة عوض"، نرى كيف أن الفرح الجماعي في القرية يتحول إلى مأساة حين يضرب العريس في رأسه خلال عراك بين الأهالي، مما يوقف طقساً عريقاً كان يجمع البلاد بأسرها، ليبقى هذا الطقس مجرد ذكرى مؤلمة، خصوصاً حين تُربط الزفة بالأضرحة التي كانت تنطلق منها، كضريح الشيخ مسعود وضريح الشيخ شرف الدين، كأنما الأضرحة تشرف على الحياة اليومية.

في القصص الأخيرة، يغيب العنصر الأسطوري قليلاً لتحل مكانه يوميات الحياة البسيطة، كقصة "بياع البطاطا" الذي يتعلم دروساً في اليقظة والغدر بعد أن يُسرق نقوده وهو غافل. هذه القصة، التي تبدو بسيطة، تطرح سؤالاً حول جدلية الرزق والحرص والثقة، وتُظهر كيف أن الخبرة والتجربة هما من يمنحان الإنسان حكمته، وليس مجرد النية الطيبة. وفي ختام المجموعة، تقف "حالة حب" التي تركز على شاب عاجز عن الزواج من حبيبته رغم تبادل الحب، حيث يلتقي في مقهى مع راوٍ يقدم له نصيحة عن القدرة، لتنتهي القصة على وتر من العجز والوحدة، كتذكير بأن الحب، بأشكاله كافة، لا يخلو من الألم، حتى في أكثر البيئات بساطة ودفئاً.